• القضية
  • 2
  • #
  • الخاميّة

الأواني الخزفيّة الشّعبيّة في الخليل – بحث تجريبيّ

أجري المشروع كجزء من مساق "الورشة البحثيّة"، بإرشاد د. طال فرنكل إلروي وياعيل عتسموني 2018

منطقة البحث: “الخليل وضواحيها”

تاريخ موجز

مدينة الخليل هي من أقدم المدن في منطقتنا. بسبب صلتها بالآباء التّوراتيّين، كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، بالإضافة إلى الملك داود، تُعتبر المدينة واحدة من المدن المقدّسة الأربع في اليهوديّة (وهي القدس، والخليل، وطبريّا، وصفد). في الرّواية الإسلاميّة، التي تبجّل إبراهيم كمؤسّس التّوحيديّة والمُبشّر بالنبيّ محمّد، تُعتبر الخليل من المدن الأربع الأكثر قداسة (وهي مكّة، والمدينة المنوّرة، والقدس، والخليل).

في الخليل، اقتنى إبراهيم كهف البطاركة من عفرون الحتّي كمكان لدفن زوجته سارة (سفر التّكوين، الإصحاح الثالث والعشرون)؛ وتحوّل الكهف من ثمّ إلى مقبرة عائليّة. بحسب الرّواية، فإنّ إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، بالإضافة إلى نسائهم سارة، ورفقة، وليا، مدفونون جميعهم في الكهف.

بحسب الرّواية، فإنّ الله أمر الملك داود (في القرن العاشر قبل الميلاد بالتّقريب) بالسّفر إلى الخليل؛ هناك، أصبح داود ملك إسرائيل وحوّل الخليل إلى عاصمته لمدّة سبع سنوات ونصف، حتّى احتلال القدس (سفر صموئيل الثّاني، الإصحاح الثّاني إلى الخامس). أثناء الشّتات، وقعت الخليل تحت سيطرة الإدوميّين؛ الملك هيرودس الأوّل (والذي حكم المنطقة بين العامين 37 و4 قبل الميلاد) بنى سورًا، صمدت أجزاء منه، حول كهف البطاركة، ثمّ قام البيزنطيّون، والصّليبيوّن والمماليك بتعزيزه. في القرون اللّاحقة، كانت الخليل تحت السّلطة المتتالية للسّلالات الإسلاميّة، التي أدارت المدينة منذ احتلالها في العام 635 بعد الميلاد، وحتّى انحلال الإمبراطوريّة العثمانيّة بعد الحرب العالميّة الأولى، باستثناء فترة من الحكم الصّليبيّ في القرن الـ 12. في فترة حكمه للمدينة في نهاية القرن الـ 12، أعاد صلاح الدّين الأيّوبيّ بناء العديد من مباني المدينة التي أحدث الصّليبيّون فيها ضررًا.

مدينة الخليل العصريّة هي مركز للتّسويق والتّجارة الزّراعيّة، وينتجون هناك أدوات من الزّجاج والجلد.

بالإضافة إلى أماكن أخرى في المنطقة، تحوّلت الخليل إلى مركز من الصّراع الآخذ بالتّفاقم. ما زالت مدينة الخليل ترمز إلى الدّمج بين الإرث التّاريخيّ والإرث الثّقافيّ الغنيّين. بالنّسبة للعديد من السّيّاح والحجّاج، فإنّ قيمة الخليل تتمثّل بوجود كهف البطاركة، بالإضافة إلى الحرم الإبراهيميّ ومناطق أخرى لها علاقة بحياة القدماء، مثل بلوطة إبراهيم، التي تقع شمالي غربي المدينة. بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر البلدة القديمة في الخليل من أفضل المدن المُحافظ عليها من القرون الوسطى، إذ هناك بعض المباني التي ما زالت موجودة منذ الفترة المملوكيّة والعثمانيّة. لكنّ مركز البلدة القديمة، وبسبب العنف الذي عقب حرب حزيران 1967، تحوّل إلى بؤرة مواجهة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ سوء البنى التّحتيّة أو غيابها، والفقر العامّ الذي يعاني منه سكّان البلدة القديمة، أدّى إلى مغادرة الكثير من السّكّان، وبما أنّ قسمًا بسيطًا من سكّانها بقي هناك، تدهورت أحوال البلدة القديمة إلى الإهمال. في التّسعينيّات، وفي أعقاب نقل أجزاء من الخليل من الحكم الإسرائيليّ إلى أيدي السّلطة الفلسطينيّة، وُضع مخطّط لإحياء البلدة القديمة. في العام 1998، حظيت جهود لجنة ترميم الخليل وإعادة الحيويّة إلى البلدة القديمة باعتراف وتقدير من صندوق الآغا خان، وهو ما ساعد في جذب الانتباه الدّوليّ نحو البرنامج.11 ...

الموقع الجغرافيّ

الخليل (“محبوب [الله] الرحمن”، والقصد هو إبراهيم)، أو حفرون في اللّغة العبريّة، هي مدينة في الضّفّة الغربيّة، تقع جنوبي جبال القدس، وجنوبي غربي القدس. تقع المدينة على ارتفاع 930 مترًا فوق سطح البحر، وتتمتّع دومًا بمناخ جبليّ، ممّا أتاح لسكّانها زراعة الأشجار المثمرة والكروم. علاوةً على ذلك، فإنّ المدينة تقع عند تقاطع طبيعيّ وضعها على سكّة ثقافيّة كان لها أفضليّة تاريخيّة. في العصر الحديث، كانت الخليل تحت إدارة الانتداب البريطانيّ على فلسطين (1920 – 1948)؛ وبعد الحرب الأولى بين إسرائيل والدّول العربيّة في العامين 1948 – 1949، كانت الخليل ضمن المنطقة التي ضُمّتها الأردن (1950). بعد حرب حزيران في العام 1967، كانت الخليل ضمن منطقة الضّفّة الغربيّة الموجودة تحت احتلال إسرائيليّ. في أعقاب الاتّفاق الذي توصّل إليه الأطراف في كانون الثّاني من العام 1997، صار قسم من الخليل تحت سيطرة السّلطة الفلسطينيّة، في حين بقي قسم آخر تحت سلطة إسرائيليّة.22 ...

الفنون الأساسيّة

تُعتبر صناعة الأواني الخزفيّة من الحرف التّقليديّة الأكثر أهميّة في أرض إسرائيل، وبخاصّة في الخليل. إنّ التّجارة بالأواني الخزفيّة مقرونة بتطوّر بني البشر، إذ قدّمت الأواني للمجتمعات البشريّة أدوات عديدة تستخدمها في حياتها اليوميّة، كأواني الطّعام والأقداح. في الحفريّات الأثريّة في الخليل وفي مناطق أخرى في فلسطين، وُجِدَت أدوات خزفيّة عديدة عمرها آلاف السّنوات. تؤكّد هذه المكتشفات على مركزيّة صناعة الخزف وتربطها بظهور المجتمعات البشريّة. لكنّ صناعة الخزف تراجعت في الآونة الأخيرة، جرّاء تطوّر صناعات أخرى استبدلت هذه الفنون بمنتجات عصريّة. مع ذلك، ما زالت صناعة الخزف من أجمل الحرف التّقليديّة، ويستهويها الكثيرون من سكّان الخليل وزوّارها. ما زالت هذه الحرفة موجودة في المدينة، وبخاصّة لدى أبناء عائلة الفاخوري. إسم هذه العائلة مربوط تاريخيًّا، في اللّغة العربيّة، بصناعة الخزف. ساعدة تطوّر صناعة الخزف على إنتاج أشكال ومنتجات عديدة. وتحوّل فنّ الخزف إلى أحد الفنون التّقليديّة التي يستمتع السّيّاح بمشاهدتها.33 ...

في بحثي هذا، سوف أحاول تقفّي آثار أصول صناعة الخزف، بالإضافة إلى التّاريخ، والتّصاميم، والموادّ، والأدوات، والخواصّ الكيميائيّة، وتلك الفيزيائيّة، وأساليب إنتاج الخزف. في ظلّ غياب موارد كافية من شأنها أن توفّر لي المعلومات، ذهبت إلى الخليل كي أحاول أن أفهم المواضيع التّالية:

1. التّاريخ

تُعتبر صناعة الخزف من أقدم الحرف البشريّة، وقد بدأت في فلسطين في الألفية السّابعة قبل الميلاد، وذلك بحسب المؤرّخ مراد دبّاح. كانت غزّة من أولى المدن التي شهدت صناعة الخزف في المجتمع العربيّ الفلسطينيّ، حتّى أنّ أحد أحيائها يُسمّى بـ “حيّ الفواخر”. من بعدها، شهدت مدن أخرى كالخليل، وطولكرم، وجنين، صناعة الخزف، وفي جميعها هناك عائلة اسمها آل فاخوري.

2. المدن التي أُنتِجت فيها أوانٍ خزفيّة

صناعة الخزف شائعة في المناطق الواقعة خارج الخليل، وهي المدينة الثّالثة (بعد أريحا وغزّة) التي شهدت صناعة الخزف في العصر القديم. في الوقت الحاضر، هناك بعض المناطق التي ما زالت تحافظ على الأساليب البدائيّة لهذه الصّناعة – وهي غزّة، والخليل، وطولكرم، وجنين.

3. الموادّ المُستخدمة في الصّناعة

الطّين، التّراب الأحمر، الملح، والرّمل هي المكوّنات الرّئيسيّة لجزء من الأواني الخزفيّة المصنوعة في الخليل. كسّارات الحجارة في الخليل تستخرج هذه المكوّنات فوق الطّبقة الصّخريّة.

4. أساليب الإنتاج

تُستخدم خلال عمليّة الإنتاج أساليب بسيطة، يتمّ فيها إنتاج الخليط في آلات خلط كهربائيّة، يُضاف إليها %10 من الطّين، و%8 من التّراب، و %6 من الرّمل. من ثمّ، يُصبّ هذا الخليط في ما يُعرف باسم البرك المتسلسلة، لمدّة شهر. في مرحلة لاحقة، يتمّ إفراغ الماء من الخليط وإزالة الحجارة والأوساخ منه، قبل نقله إلى بركة أخرى. هناك، يتمّ تصفية الخليط ببطء وإحالته نحو بركة ثالثة. عند وصول الخليط إلى البركة الثّالثة، يكون جاهزًا للاستخدام.

صور1

عملية الإنتاج من ثماني خطوات:

المرحلة الأولى:

طين، تراب، رمل، ماء، ملح، وشظايا خزف من أوانٍ محروقة، تُدمج معًا لإنتاج خليط في آلة الخلط الكهربائيّ، المُشار إليها في الصّورة بواسطة الرّقم 1. البركة رقم 2 هي حيث يبقى الخليط لمدّى شهر ويتمّ تنظيفه من جميع الحجارة والأوساخ، ثمّ تصفيته في البركة رقم 3، حيث يصفو الخليط ببطء ويصير جاهزًا للاستخدام.

صور 2

 

المرحلة الثّانية:
في هذه المرحلة، تترسّب المادّة، وتجفّ بفعل الشّمس وتصبح جاهزة للاستخدام.

 

 

 

صور 3

 

المرحلة الثّالثة:
يتمّ تقسيم خليط الخزف إلى قطع، كما يظهر في الصّورة.

 

 

 

صور 4

 

المرحلة الرّابعة:
يُضغط الهواء نحو الخارج باستخدام هذه الماكنة، للحصول على خزف خالٍ من الهواء.

 

 

 

صور 5

المرحلة الخامسة:
إبعاد الهواء عن خليط الطّين.

 

 

 

 

صور 6

 

المرحلة السّادسة:
يُنتج إناء الخزف بواسطة دولاب الخزف.

 

 

 

صور 7

 

المرحلة السّابعة:
قبل وضع الإناء الخزفيّ في الفرن، أو في المحرقة الخارجيّة في هذه الحالة، يجب إبقاؤه في الخارج ليجفّ.

 

 

صور 8

 

المرحلة الثّامنة:
المرحلة الأخيرة هي وضع الأواني في المحارق مع التّأكّد من الحفاظ على درجة حرارة ثابتة.

 

 

5. الأسواق

توزّع الأواني الخزفيّة على الأسواق المحلّيّة والدّوليّة. تعتبر الأواني ذات شعبيّة بالغة لأدوات الطّهي والحفاظ على برودة المياه في الصّيف.

6. الصّعوبات والعقبات

1. تستغرق عمليّة الإنتاج وقتًا طويلًا وتتطلّب عملًا جمًّا.

2. لا توجد أبحاث كافية حول الطّين في الخليل.

3. لا يوجد دعم من السّلطة المحلّيّة لهذه الحرفة، رغم أنّ الخليل حازت على لقب مدينة الفنون العالميّة للعام 2016.

4. هذه الحرفة تابعة لآل الفاخوري حصريًّا.

5. لم تُمَكنَن هذه الحرفة بعد؛ لذلك، فإنّ جودة المنتجات وكمّيتها منخفضة.

6. لا تحظى هذه المنتجات بتسويق في الأسواق المحلّيّة.

7. يفضّل النّاس منتجات مصنّعة كالبلاستيك، بدل الأواني الخزفيّة رغم كونها أكثر صحّيّة.

8. غالبيّة المحلّيّين لا يجيدون العناية بالأواني الخزفيّة (تنظيفها، على سبيل المثال).


تجارب عمليّة

أ: خلط الموادّ

تجربة 1

التّجربة الأولى:

لا يستطيع الطّين القادم من الخليل أن يتحمّل درجات حرارة تتعدّى الـ 700 – 900 درجة مئويّة، لذلك فإنّه يتحمّل تزجيجًا بدرجات حرارة منخفضة فقط، وغالبًا ما يبقى الطّين مكشوفًا. لذلك السّبب، أردت أن أحاول التّزجيج والطّلاء بنفسي. تناولت طينًا خليليًّا خامًا ونقعته في الماء لمدّة ثلاث أسابيع. بعد النّقع، خلطت بينه وبين طين مستورد يُدعى “SIBELCO”، صمّمته، وحرقته بدرجة حرارة 950 مئويّة، وزجّجته بدرجة حرارة 1050 مئويّة. نجحت التّجربة، إلّا أنّ لون الطّين بقي على شيء من الحُمرة.

التّجربة الثّانية:

خلطت طينًا خليليًّا خامًّا بمادّة خزفيّة، وكانت النّتيجة:

  1. أ. تغيير بسيط في لون المادّة المحروقة؛ كان لون الطّين أفتح مقارنة بالتّجربة السّابقة؛
  2. ب. مادّة صلبة.
  3. ج. مادّة قابلة للطّلاء.

التّجربة الثّالثة:

خلطت طينًا خليليًّا بشظايا خشبيّة صغيرة؛ الفائدة من الشّظايا الخشبيّة هو إحداثها لمسامات في هيكل المادّة. بالنّتيجة، تمتصّ المادّة المياه، ويتيح ذلك للأدوات الخزفيّة أن تتنفّس. تصمد المادّة بدرجات الحرارة التّالية: 950 درجة مئويّة، 1050 درجة مئويّة، و1075 درجة مئويّة.

التّجربة الرّابعة:

خلطت طينًا خليليًّا خامًا بالملح الخام، وكانت النّتيجة تغيّر اللّون من الأحمر إلى الأبيض.

التّجربة الخامسة:

خلطت طينًا خليليًّا بالصّوف الحراريّ، وكانت النّتيجة صلبة جدًّا – الأصلب من بين المواد.

التّجربة السّادسة:

خلطت طينًا خليليًّا خامًّا ببرادة حديد، وكانت النّتيجة نشوء تصدّعات في المادّة المحروقة، وبقاء اللّون أحمر.

ب: إضافة التّزجيج

التّجربة الأولى:

خلطت طينًا خليليًّا خامًّا بحطام الفخار الأبيض والأسود؛ كانت النّتيجة مادّة صلبة وقاسية جدًّا. قمت بتزجيجها بدرجة حرارة 1050 مئويّة؛ نجحت التّجربة إلّا أنّ المادّة انصهرت كلّيًّا بدرجة حرارة 1175.

التّجربة الثّانية:

لأجل التّزجيج، كان عليّ استبدال الطّين الخليليّ الخام الذي استخدمته في التّجارب السّابقة بنوع آخر من الطّين أصله من بيت ساحور (بلدة صغيرة تقع شرقي بيت لحم، وشمالي الخليل). هذا النّوع من المواد ينصهر كلّيًّا في درجة حرارة 1175 مئويّة.

ج: إضافة الألوان

التّجربة الأولى:

بعد الحرق الأوّل، طليت الأواني. صمدت الأواني بدرجة حرارة 1050 بعد تزجيجها وطلائها.


ملخص

فتح هذا البحث عينيّ على أساليب جديدة لاستخدام الموادّ المحلّيّة. لم أجر في بحثي قياسات دقيقة، ولم يكن في الإمكان إجراء تحليل للمادّة المحلّيّة ذاتها. في هذا المشروع، اعتمدت على أساليب تقليديّة وعلى التّجربة الثّريّة لدى السّكّان المحلّيّين في عملهم مع المادّة. أجريت تجاربي بالتّعاون معهم، من خلال الاعتماد على معارفهم – وهي معارف عمادها تقاليد تعود إلى مئات السّنين.

   [ + ]

Back to Top