• القضية
  • 2
  • #
  • الخاميّة

“بدء اللّغة: الكلمات كمادّة خامّ في أعمال دافنا كافمان وسيفان شفنر”

"ينثر البشر كلّ يوم في مهبّ الرّياح، بتعمّد وعن براءة، كلمات من شتّى الموادّ".

حاييم ناحمان بياليك11 חיים נחמן ...

في البدء خلق الله العالم بالكلمات. كثيرًا ما تُستخدم فكرة اللّغة كمادّة خام لبناء عالم في نطاقات واسعة من الفكر في الثّقافة الغربيّة – النّطاق الدّينيّ، والفلسفيّ، والنّقديّ: في الرّوحانيّة اليهوديّة القبلانيّة، وفي علم التّأويل على مرّ العصور، وفي الأدب وفلسفة اللّغة، وفي النّظريّة التّحليليّة النّفسيّة وفي الحلقات النّظريّة النّقديّة الفرنسيّة. قد نتصوّر اللّغة كأداة لكشف العالم، وقد نتصوّرها كعقبة تغطّيه؛ قد تبدو وكأنّها تصف ظواهر في العالم، وقد ندّعي أنّها هي التي تولّد هذه الظّواهر؛ وقد ننسب إلى مركّباتها قوى خارقة للطّبيعة، وقد نعتقد أنّها عاديّة وشفّافة كلّيًّا – لكنّ لا شكّ في أنّها موجودة كمادّة في العالم. تتألّف اللّغة من وحدات أساس ثابتة، ترتبط إحداها بالأخرى بترتيب مقولب دوريّ؛ إنّها مبنيّة كشبكة من الرّوابط الصّلبة واللّينة؛ وهي قائمة بشكل له حجم وله صوت في الحيّز البصريّ والاجتماعيّ الذي يحيط بنا.

دافنه كافمان، “أحببتها كثيرًا جدًّا”، 2010، من السلسلة مانتيس ريلغيوزه، زجاج معالج حراريًّا، تطريز على منديل قماش، 70-50 – 7 سم، تصوير أيريك تشيكناو، بلطف من جاليري لورتس+زايدل كونطمبورري، برلين، 2006

ما هي اللّغة، وما هو مفعولها كمادّة في يد الفنّانة؟ كيف تؤثّر اللّغة على الموادّ الأخرى في محيطها، وأيّ فرص تقدّمها للفنّانة؟ يهدف هذا المقال إلى الإشارة إلى اللّغة كمادّة خامّ مشحونة في سجلّ أعمال فنّانتين إسرائيليّتين محلّيتين: دافنا كافمان وسيفان شفنر. الأولى هي عضو بارز في الهيئة التّدريسيّة لقسم التّصميم الخزفيّ والزّجاجيّ في بتسلئيل، وهي فنّانة شهيرة لها الكثير من التّقدير، إذ تعرض أعمالها في العالم وفي إسرائيل. الثّانية هي فنّانة شابّة، خرّيجة بامتياز من مسار الخزف في هذا القسم، ومع أنّها بدأت لتوّها دربها المستقلّة فقد استطاعت أن تعرض أعمالها في معارض عدّة. يحاول المقال أن يظهر أنّه ورغم البُعد بينهما – بُعد الأجيال، والبعد المادّيّ والتّكنولوجيّ – فإنّهما تتعاملان مع اللّغة مبدئيًّا وفلسفيًّا كمادّة خامّ بالغة الأهمّيّة في ممارساتهما الفنّيّة. تُستخدم هذه المادّة في أعمالهما كموضوع بحث، وهي تحرّك خطواتهما البّحثيّة والإبداعيّة منذ بدء السّيرورة وحتّى الحصول على ثمارها. تنطلق كافمان في عملها من أرشيف المفاهيم النّباتيّة والاقتباسات الإخباريّة التي تجمعها وتحتفظ بها؛ أمّا شفنر، فتمحص النّظر في معجم المفاهيم المهنيّة في الحقل الخزفيّ. تستخدم كلتاهما معجم المفاهيم – العلميّة، الإخباريّة، المهنيّة – كمادّة للتّفكير، تميط اللّثام عن الوجه العاديّ للّغة. تُتيح لهما هذه الإماطة طرح أسئلة حول الأنظمة اللّغويّة والأنظمة الثّقافيّة المُشتقّة منها، وتحدّي هذه الأنظمة، ونقدها، وفي الآن ذاته احتضانها والاحتماء بها. يحاول المقال أن يُظهر كيف أنّ الأنظمة العاديّة والمُبتذلة للّغة – عموميّتها والاعتباط الكامن في استخدامها – يحفّز ويقود الخطوات المادّيّة والتّكنولوجيّة لدى كلتا الفنّانتين. النّتيجة هي تصميم فضاءات عمل معقّدة، تفكّك الشّحنة الثّقافيّة الكامنة في اللّغة وتصونها في آن.

سيفان شيفنر، Now and Again، الحجم (كل وحدة) بالسنتيمتر: الارتفاع 22، العرض 30، العمق 13، 2018. التصوير: عومر بورين

يُستهلّ المقال بوصف للتّصوّر الفلسفيّ الذي بناءً عليه يُمكننا فحص ممارسات العمل لدى الفنّانتين وتوجّههما نحو اللّغة. من ثمّ، يستعرض المقال خواصّ المعجم الذي قدّمته حتّى الآن كلّ واحدة من الفنّانتين، من ناحية مادّيّة، وتكنولوجيّة وثيماتية. بعدئذٍ، سوف يُعنى المقال بثلاث ممارسات تُعبّر عن موقف الفنّانتين الفلسفيّ النّقديّ تجاه اللّغة، والأسئلة التي تطرحانها حول اللّغة. هذه الممارسات – الاقتباس، والاستنساخ، والاستعارة – تتيح للفنّانتين استحضار طابع اللّغة الاعتباطيّ وفي الآن ذاته اختلاس النّظر من خلال مادّيّة اللّغة.

مادّة اللّغة

إنّ فكرة كون اللّغة بمثابة مادّة خامّ مركزيّة في بنيان العالم البشريّ هي فكرة تُميّز الفكر الفلسفيّ الغربيّ ابتداءً من نهاية القرن الـ 18. مقارنة بالمذهب الأرسطيّ، الذي يعتبر اللّغة سبيلًا مباشرًا نحو العالم، فإنّ فلاسفة الرّومنطيقيّة يرون في اللّغة مادّةً منفصلة عن العالم. يدّعي جان جاك روسو، في مقالته “محاولة في أصل اللّغات” (1781)، كما يدّعى فريدريخ نيتشه، في مقالته “عن الحقيقة والكذب في المفهوم اللّاأخلاقيّ” (1873)، كلّ منهما على طريقته، أنّ اللّغة لا تعكس الأمور القائمة في العالم، بل تُعبّر عن إطار اجتماعيّ منظِّم، نعزو إليها نحن خطأً صلاحيّة موضوعيّة.22 جان جاك ... يرفض هذا الموقف نظريّة التّلاؤم للحقيقة، التي بدأت مع أرسطو، وهو يعكس هجوم الرّومنطيقيّة على تصوّر الواقعيّة في حقبة التّنوير برمّتها. فبدل حقيقةٍ تستند إلى لغة مفاهيميّة وتصنيفيّة، يحاول روسو ونيتشه أن يكشفا عن مصادر اللّغة الإبداعيّة، والصّادقة، والحدسيّة في بدئها.

بحسب روسو ونيتشه، لا تتعدّى اللّغة كونها تبسيطًا وتحويلًا للتّجارب غير الوسطيّة التي سبقتها. تنمو اللّغة من التّجارب الأوّليّة، الاستعاريّة بماهيّتها. في المرحلة السّابقة للغة، يختبر الإنسان العالم كتعدّد من الانطباعات والصّور. ومع الوقت، تتحوّل الصّور إلى فئات معرّفة ومرتّبة، ومفاهيم تجريديّة وباردة. ينسى الإنسان اللّقاء الأوّليّ بالعالم، ويُسحَق البعد الاختباريّ، فتتحوّل اللّغة إلى مادّة متحجّرة وغريبة. هذه الفكرة سائدة جدًّا في روح الفكر الرّومنطيقيّ، وبخاصّة في ما يتعلّق بفكرة الموثوقيّة. في فلسفة الوعي التي وضعها كانط، يُصوَّر الإنسان كمن يُصارع لإدراك العالم كعالم مصمّم بصورته. ينسى الإنسان أنّ الأشياء المعروضة أمامه هي استعارات خلقها هو، يرى فيها عن طريق الخطأ أشياء طاهرة. الاعتراف بالأصل الاستعاريّ للّغة هو أيضًا إدراك الإمكانيّات الحقيقيّة الكامنة ما وراء المسلّمات الاجتماعيّة.

ينعت نيتشه اللّغة بـ “القلعة الآسرة”،33 Gilman, Blair, ... ومارتن هايدغر، في كتابه الكيان والزّمان (1927)، يدعوها “ثرثرة عقيمة”.44 Martin Heidegger, ... اللّغة، عند ترسيخها كلسان الجموع، هي مادّة حاجبة. لا تكتفي هذه المادّة بانعزالها عن العالم، بل تشكّل أيضًا حاجزًا بين الإنسان والعالم القائم خارج حدود لغته، فتُبعِد الإنسان عن عالمه.55 عبّر ... في العام 1915، عبّر حاييم ناحمان بياليك عن فكرة مشابهة في مقالته “الكشف والحجب في اللّغة”: “إذ إنّه من الواضح أنّ اللّغة، بمجمل مركّباتها، لا تُدخلنا بتاتًا إلى دواخل الأمور، إلى ماهيّتها المطلقة، بل على عكس ذلك تمامًا، فهي تنصب حاجزًا أمامها”.66 بياليك، ... اللّغة كحجاب هي مادّة داكنة تعزل الإنسان، وتقطعه عن المعنى وتملأه بالجزع: “ليس بمقدور أيّ كلمة أن تلغي أيّ سؤال إلغاء تامًّا، لكن علامَ تنطوي الكلمة؟ — على حجبه” (التّشديد من الأصل).77 المصدر ...

يميّز هايدغر بين “الثّرثرة العقيمة”، وهي اللّسان العامّ الذي لا ينتمي إلى أيّ شخص، وبين اللّسان الصّادق.88 هايدغر، ... اللّغة كـ “ثرثرة عقيمة” لا تكشف الأمور على حقيقتها، بل تسترها. يُدرك الإنسان العالم المحيط به بواسطة اللّسان، إلّا أنّه غير قادر على نسبه لنفسه. بخلاف اللّسان العامّ، يُشير نيتشه وهايدغر إلى لسان الشّعر كاللّسان الصّادق. فالشّعر كاشف ومُحرِّر من خلال إضاءة وإخفاء ما نُطلق عليه نحن اسم “العالم”. يُقدّم الشّعر أساسًا للوجود البشريّ، إذ بواسطته يتطرّق الإنسان إلى العالم المُحيط به وإلى ذاته أيضًا. إنّه يرسّخ العالم الذي يقطن فيه الإنسان، والذي يستمدّ منه معناه.99 المصدر ... إنّ التّمييز الجوهريّ بين اللّسان العامّ كمادّة حاجبة وبين لسان الشّعر كمادّة كاشفة عن المخفيّ هو تمييز يظهر أيضًا في مقالة بياليك. لسان الشّعر هو البحث عن “الجانب الفريد” للأمور، لا عن “جانبها المتساوي”؛ عن الكلمات “المُرتجفة […]، التي تنطفئ وتشتعل، الغاربة والشّارقة، المفرّغة والمُمتلئة، التي تخلع عنها الرّوح والتي ترتدي الرّوح.”1010 بياليك، ... بخلاف اللّسان العام، فإنّ لسان الشّعر هو أسلوب “للتّفكير في الكيان”. إنّه جهد يُبذل للوصول إلى ما وراء اللّغة الاعتياديّة، إلى ما وراء المفهوم ضمنًا، بُغية دحض شفافيّة اللّغة وعكس مادّيّتها واصطناعيّتها. إنّه جهد للحياد عن الاستخدام الوظيفيّ للّغة، وللذهاب حيث تكون التّجربة حاضرة، وحيث يكمن الانطباع الذي تخلّفه التّجربة غير الوسطيّة. يضع هذا الجهد الإنسان أمام تعجّب راديكاليّ، فيسأل باستمرار: ما هو ذا الموجود؟ إنّه موقف ينطوي على الإصغاء والمسؤوليّة.

التّمييز بين اللّغة العامّة ولسان الشّعر هو أيضًا تمييز منهجيّ بين الاستخدام الوظيفيّ للّغة والاستخدام التّفكيريّ بها. يتطرّق الاستخدام الوظيفيّ إلى الرّسائل الكلاميّة في اللّسان ويتقبّلها كأنّها مفهومة ضمنًا، في حين أنّ الاستخدام التّفكيريّ يحاول أن يطرح أسئلة عن اللّسان بحدّ ذاته وأن يتحدّى سلطانه؛ يتمركز التّوجّه الوظيفيّ في الإمكانيّات التّواصليّة للكلمات، في حين تطرح وجهة النّظر التّفكيريّة أسئلة عن قوّة الكلمات الإيحائيّة، عن القوالب والشّروط التي تولّدها، عن وقوعنا في فخّها. تفكّك هذه الأسئلة العلاقة الشّفافة بين اللّغة والعالم، وتفتح كوّة لتركيب منظومات جديدة من المعاني. إنّه فعل نقديّ، ينطوي على الكثير من الاستلهام، ويوفّر فرصًا إبداعيّة للفنّانة التي تختاره. يتيح هذا الفعل صياغة فطنة فلسفيّة، بل ويتيح بالأساس، المبادرة من خلال فعل جديد في المادّة والتّقنيّة. لا تقتصر أهمّية تحدّي منظومات اللّسان على منظومات اللّغة الثّقافيّة، والاجتماعيّة، والقوميّة فحسب، بل تتعدّى ذلك أيضًا إلى منظومات اللّغة المهنيّة، والمادّيّة والتّكنولوجيّة. تستخدم دافنا كافمان اللّغة كمادّة خام مشحونة، وتخرج في أعقابها في سيرورة مادّيّة وتكنولوجيّة؛ أمّا سيفان شفنر، فتتنقّل من الفعل التّفنيّ نحو اسم الفعل وتُكسبه مضمونًا مادّيًّا وتكنولوجيًّا جديدًا.

لغة المادّة

منذ بدء طريقها كفنّانة زجاج، سعت دافنا كافمان إلى إيجاد لغة تعبّر عن صور من عالم عضويّ. في عملها، تستخدم كافمان الموقد أو الفاعوس كتقنيّة مركزيّة لها، وهو ما يُتيح لها ترك بصمة شخصيّة وقريبة في المادّة الخام التّقليديّة. تُنتج كافمان قطع زجاج متناهيّة الصّغر، تركّبها وتدمجها بموادّ أخرى. بداية، خلقت كافمان مسطّحات توهم بأنّه متواصلة ومكسوّة بالشّعر، وذلك من خلال دمج الزّجاج بموادّ طريّة مثل السّيليكون والرّغوة (كما في سلسلة أعمالها I was Trained Hunting Wolves، 2004).[1] 1111 Dafna Kaffeman, ... في السّنوات الأخيرة، استبدلت كافمان التّواصل المادّي والأوهام الملمسيّة بتواصل ووهم من نوع آخر. منذ العام 2004، وحتّى قبل أن تتعرّف إلى أعمال الموقد الواقعيّة التي أنتجها فنّانا الزّجاج ليوبولد ورودولف بلاشكا (Leopold and Rudolf Blaschka) في القرن التّاسع عشر، تُنتج كافمان بواسطة الموقد نسخات زجاجيّة عن عالم النّباتات والحشرات الموجودة في أرض إسرائيل.

دافنه كافمان، “نباتات وطن”، 2019، 200 – 90 – 10 سم، زجاج معالج حراريًّا، نصّ منسوخ ومعالج، صورة إلعاد سريغ، بلطف من متحف إسرائيل

ابتداءً من سلسلة الأعمال Persian Cyclamen (2006)، باتت كافمان تستخدم الأرشيف الكلاميّ كمادّة ذات حضور مركزيّ في أعمالها،1212 Dafna Kaffeman, ... فتدمج جملًا مشحونة من أحداث السّاعة الإسرائيليّة في أسفل الكائنات الزّجاجيّة الهشّة، منتجة بذلك سلاسل من التّركيبات الفنّيّة. هذه المشاهد الرّمزيّة والمشحونة بالألغاز محاطة ببيئة من الموادّ الطّريّة (أنسجة، ورق، أقمشة مُخاطة)، تحمل شحنات ثقافيّة مخبّأة. أحيانًا، ترتبط الزّهور البرّيّة والحشرات ذات المفاصل في الأرجل وتتشبّث بها بطريقة رمزيّة أو ساخرة، أو حتّى اعتباطيّة. هذه التّركيبات الفنّيّة تستعرض لقاءات غير متوقّعة بين الصّور والكلمات، بين الموادّ الغريبة الواحدة عن الأخرى (الزّجاج، النّسيج، الخيط، الورق) أو الموادّ المتنافرة (الصّلبة والطّريّة، البارقة والفاترة، الهشّة واللّينة)، وبين التّقنيّات المختلفة (استخدام الموقد، النّسيج، الكتابة، الرّسم) وبين أغراض مختلفة (المناديل، النّباتات، والحشرات) لها أيضًا أحجام متباينة (ثنائيّة الأبعاد، ثلاثيّة الأبعاد). هذه الصّور، والأغراض (المصنّعة)، والكلمات، والمفاهيم عبارة عن اقتباسات في جميع الحالات. في غالبيّتها، تستند هذه إلى المعرفة الثّقافيّة المُسبقة للمشاهد (من عالم الأحياء والنّباتات، والقوميّة والتّقاليد)، في حين تستند أخريات إلى مصادر إخباريّة.

بخلاف كافمان، تبحث سيفان شفنر عن لغة للتّعبير عن صور مشتقّة من سيرورة العمل الخزفيّ. منذ مشروعها النّهائيّ (Unconsciously Skilled, 2017) ميّزت القدرات الإبداعيّة الكامنة في العمليّة التّقنيّة بحدّ ذاتها. من خلال التّعمّق الداخليّ بمركّبات العمل اليدويّ والتّعامل مع المادّة، حاولت شفنر عزل الحركة البشريّة وتجميدها في الوقت. منذ ذلك الوقت، في كلّ مرّة تميّز فيها فعلًا اعتياديّا وشفّافًا في سيرورة العمل، فإنّها تتوقّف، وتعطي المادّة مجالًا كي ترتاح وتستقرّ. من ثمّ، وبجهد بالغ، تفرّغ الغرض الاعتباطيّ النّاتج، وتقولبه أو تستنسخه بطرق أخرى. هكذا، تحوّل شفنر الفعل – أو كي نكون أكثر دقّة، اسم الفعل – إلى سلسلة من الأغراض المُعالَجة والمُستنسخة.

سيفان شيفنر، Second Nature، أحجام مختلفة، الارتفاع 12 سم، 2018. تصوير: عومر بورين

على غرار كافمان، تُنتج شفنر نسخًا وتنصبها كسلسلة. وعلى غرار كافمان، فإنّ المصدر – الذي تعتبره الحالة الطّبيعيّة والعضويّة – يُحفظ خارج سياقه. كما هي الحال مع العمل مع الموقد، الذي يتيح لكافمان العمل مع المادّة عن قرب ولمسها، فإنّ اللّقاء الحميميّ بين شفنر والمادّة الخزفيّة موجود، ويتجمّد في حالته العابرة، الخام. إنّ هذه العلاقة بين اللّحظة العابرة، الاستثنائيّة، وبين اسم الفعل الاعتياديّ، الرّاسخ، يولّد لدى شفنر، كما هي الحال لدى كافمان، موقفًا متوّترًا، ساخرًا، بين الكلمات والأشياء. تتعاظم هذه السّخرية أمام الجهد البالغ المُبذول في خلق الاستنساخات وفي الحياد عنها: تبذل الفنّانتان طاقة هائلة لخلق صور تحاول أن تشبه الأصل دون أن تتناظر معه تمامًا. هذا هو الفراغ بين الشّيء والكلمة، بين الطّموح نحو استخدام اللّغة والرّغبة في الابتعاد عنها.

اقتباس

“أحيانًا تقيس صلابة السّلسلة وفق الحلقة الأضعف فيها.”

دافنا كافمان1313 Kaffeman, ...

في سلسلة الأعمال Persian Cyclamen، استخدمت كافمان اقتباسات من أحداث السّاعة للصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، وحاكتها على مناديل من القماش. في سلسلة الأعمال Mantis religiose (2010)، طلبت من جنود في جيش الاحتياط حياكة الاقتباسات. في سلسلة الأعمال Red Everlasting (2008)، طلبت الفنّانة من خيّاطات نرويجيّات، من القرية الواقعة في جزيرة أوتسيرا (Isle of Utsira)، حياكة اقتباسات تطرّقت إلى حرب لبنان الثّانية، بأحرف غير معروفة لهنّ.1414 أنتجت ... وبينما أتاحت لها الكلمات زرع الأعمال في الحيّز الاجتماعيّ والسّياسيّ، فإنّ ممارسة دمج الاقتباسات طرحت سؤالًا فلسفيًّا حول الوجه الاصطناعيّ للّغة.

دافنه كافمان، “أحيانًا، تختبر قوّة السلسلة بحسب الحلقة الضعيفة التي فيها”، 2006، من السلسلة، Persian cyclamen، زجاج معالَج حراريًّا، نسيج على منديل قماش، 37-37- 4 سم، تصوير أريك تشيكناو، بلطف من جاليري لورتس+زايدل كونطمبورري، برلين

تستخدم كافمان الاقتباس كوسيلة لإبعاد الشّهادة: فبدل الإشارة إلى الأصل، فإنّ الاقتباس يفرّغ الأصل من مضمونه. الكلمات التي سُبِكَت في سياق مُعيّن تُترجم مرّة تلو الأخرى في سلسلة من الأعمال التي تُخرجهنّ من سياقهنّ: الاقتباس مأخوذ من المُتكلّم ومن السّياق الإخباريّ، ويُحفظ في أرشيف بنته كافمان لنفسها في الإستوديو؛ يتمّ اختيار الاقتباس من الأرشيف وتتمّ كتابته على قماش بواسطة قلم رصاص؛ يُحاك الاقتباس بواسطة الخيوط فوق النّسخ، على يد رجل غريب أو امرأة لا تفقه معنى الاقتباس أو رموزه؛ يُترجم الاقتباس لجمهور لا يتكلّم العبريّة أو العربيّة (لكنّ التّرجمة تُوضع جانبًا).

يُحوّل إبعاد الشّهادة كلمات الاقتباس من مضمون شفّاف إلى مادّة غير نافذة. لا يقتصر الاقتباس على كونه كلمة، ولا تقتصر الكلمة على كونها مضمونًا. يُتيح قطع الاقتباس عن المصدر تجاهل معناه أو نسب معنى خاطئ إليه. تبعث كافمان الحياة في الحضور المادّيّ، والمختلف، للّغة، وتُعيد إليها قوّتها الصّوريّة، وتفكّك العلاقة بين المفهوم ضمنًا وبين عالم الكلمة. ويُتيح إرجاء التّرجمة للمُشاهد أن يختبر تجربة لا يُمكن حلها، والتّعامل مع انطباع دون وساطة. عندما يواجه التّفسير، يخوض المُشاهد تجربة المفاجأة الصّاعقة. يُبعد الاقتباس الشّهادة، ولكنّه في الآن ذاته يُتيح لنا أن نحياها من جديد. الهول الذي تخبّئه الكلمات ينكشف بكلّ قوّته.

سيفان شفنر، 1350 gr. (Medium dinner plate), غرض، 2018.

بخلاف كافمان، تقتبس شفنر أسماء الأفعال الحركيّة من ورشة العمل الخزفيّة، مثل “throwing off the hump” 1515 تقنيّة ... و “1350 gr.(medium dinner plate)”1616 مقياس وزن ... . إنّها عبارات مُعتادة صقلها الزّمن حتّى هرئت، كلمات “التُهِمَت دواخلها ونفدت أو سُلِبَت قوّتها النّفسيّة”، على حدّ قول بياليك.1717 بياليك، ... تستخرج شفنر هذه المفاهيم من حياتها اليوميّة وتعزلها. التّلكّؤ على اللّغة العرضيّة، المفهومة ضمنًا، هو بمثابة ثغرة نحو الانحراف: هذا الفعل يولّد فعلًا سرّيًّا، مفاجئًا. تقتبس شفنر مسلّمات الأفعال في الحقل الخزفيّ بشكل معكوس: فهي تنصب التّفصيل التّقنيّ الجانبيّ في مركز العمل، بدل الهدف الوظيفيّ الذي صيغ من أجله هذا التّفصيل. وهكذا، في سلسلة أعمالها “1350 g. (medium dinner plate)”، تستعرض شفنر كتل المادّة (التي تزن في الأصل 1350 غرامًا) بدلًا من الصّحون؛ وفي السّلسلة “Puddles” تجمع بقعًا من فائض مادّة الصّبّ وتُبقي المادّة المصبوبة بحدّ ذاتها؛ وفي السّلسلة “Muddle” تجفّف مادّة طينيّة مُستخدمة أخذتها من سطل إعادة التّدوير؛ وفي عملها “Testing Matter” تستخدم موادّ تزجيج بسيطة، وتصبّها مئات المرّات بواسطة الخزف. تتحدّى شفنر الطّبقيّة اللّغويّة الاعتياديّة، فتحوّل الاقتباسات المهنيّة من لغة شفّافة إلى مادّة حيّة في العالم.

تستخدم كافمان وشفنر الاقتباسات كممارسة مركزيّة في أعمالهما. الاقتباس، كفعل يستند إلى استخدام مصدر خارجيّ، يميّز معجم الموادّ اللّغوي، والبصريّ، والثيماتيّ، والتّكنولوجيّ لكلتا الفنّانتين. عناوين الأعمال، والموادّ المركزيّة، والصّور البصريّة، مستوردة دائمًا من مصدر آخر. الأصل، أو صورة الأصل، موجود في اللّغة الكلاميّة، الاجتماعيّة، السّياسيّة، الثّقافيّة، والمهنيّة القابعة خارجهما. يؤخَذ المصدر من النّظام النّموذجيّ، من قلعة اللّغة، لتستخدمه الفنّانتان كأساس أو كفرصة للذّهاب إلى ما وراء اللّغة، ولطرح أسئلة عن اللّغة بشكل تفكيريّ، وكشف حضورها، وعرض نظام آخر. تستخدم شفنر اللّغة الشّفافة كنقطة انطلاق نحو فعل معقّد، وتكسبها مضمونًا مادّيًّا. أمّا كافمان فتتلكّأ عند الكلمات التي سوف تنقضي وتُنسى، ومن ثمّ تؤبّدها. تخلق مقاومة طبع اللّغة الاعتباطيّ لدى كليهما ديناميكيّة من التّواني والتّضاعف. وينعكس ذلك في المباني الدّوريّة، وطبقات الاقتباس، والإنتاج الشّاق للنّسخ.

الاستنساخ

“تفكيك النّبتة لمركّباتها / كشف سرّها وطرحها، والعودة على الأمور الأشبه بالتّمتمة، ومحاولة حلّ شيء لا يُمكن حلّه.”

دافنا كافمان1818 دافنا ...

“أقوم بالكثير من الأعمال وفي النّهاية أخفي غالبيّتها. إنّه عمل سيزيفيّ لحفظ الشّيء كما هو.”

سيفان شفنر1919 الاقتباس ...

سيفان شيفنر، Testing Matter، الحجم بالسنتيمتر: الارتفاع 150، العرض 55، العمق 55، 2017. تصوير: تومر فروخطر

تخلق كلتا الفنّانتين نسخًا وتقدّمانها كوحدات أساسيّة تتيح قيام منظومة جديدة. تنصب كلتاهما المادّة والتّكنولوجيا في مقدّمة التّعبير، وتبذلان جهودًا بالغة لإنتاج النّسخ. فتختار كافمان صورًا معقّدة من عالم الأحياء والنّباتات في أرض إسرائيل، وتسعى إلى تحليلها، وتفكيكها إلى عواملها، ومن ثمّ تركيب أعضائها المتناهية الصّغر بواسطة الموقد. إنّه عمل دؤوب وسيزيفيّ، ينضمّ إلى العمل اليدويّ الكامن في الرّسم والنّسج. تستثمر شفنر أيضًا ساعات عمل كثيرة في إنتاج النّسخ، فتميّز لحظات عابرة، خفيّة، في العمل اليدويّ مع المادّة، وتحفظها كصور وتحنّطها من خلال جهد بالغ. كي تتمكّن من حرقها بصورتها الدّقيقة، فإنّها تفرّغها، وتتّخذ الحيطة لئلّا تؤذي سلامتها، وتخفي بإتقان النّدبة التي تُحدثها. بهدف الحفاظ على الصّورة على ما هي عليه، تٌنتج الفنّانة روابط تكنولوجيّة غير مقبولة بين العمل على الدّولاب، والإفراغ، والقولبة، والصّبّ.

دافنه كافمان، غرض (دائرة دبابير) من “حكم القانون”، 2020، 10-80-190 سم، زجاج معالج حراريًّا، نصّ منسوخ ومعالج، صورة إلعاد سريغ

تُنتج كلتا الفنّانتين نسخًا تشبه الأصل إلى حدّ كبير، إلّا أنّها تحيد عنه أيضًا. تُحدث شفنر في النّسخ تلاعبات داخليّة، خفيّة، ومن ثمّ تمحو عقباتها؛ أمّا كافمان، فهي تعترف بأنّ المفتاح لفهم أعمالها هو ذلك الفراغ بين النّبتة وبين نسختها في المادّة، والنّقطة التي تعي فيها أنّها لن تنجح أبدًا في نسخ التّعقيد الكامن في المصدر كما هو.2020 Dafna Kaffeman, ... لا تبحث النّسخة عن التّناظر التّام مع الأصل المنسوخ وتعريفه، بل تبحث عن أن تكون إحدى إمكانيّاته. إنّ السّيرورة الواعية لدى كلتا الفنّانتين تصبو إلى التّطبّع بالمصدر والاختلاف عنه في آن. يهدف كلّ ذلك الجهد المبذول في المادّة والتّكنولوجيا إلى إنتاج صورة عن الأصل، لا إلى إنتاج الأصل عينه. في تلك الطّريقة، تحيد النّسخة عن الأصل وتتحوّل إلى مناسبة حيّة، لمرّة واحدة. النّسخ هو استعارة، من حيث المعنى المُتعارف عليه كانحراف معجميّ، وأيضًا من حيث المفهوم الذي منحاه لها روسو ونيتشه: انطباع أوّليّ، مُفعَم بالدّهشة، يسبق الكلمة المجرّدة.

الاستعارة

“إنّها تسعى إلى كشف ما هو بديهيّ ظاهريًّا، لتحويل ذلك غير المرئيّ إلى شيء يُمكن إدراكه، دون توجيه الاتّهامات، بهدف إماطة اللّثام عن الجماليّة المجرّدة.”

كلمنتاين شاك فون فيتناو2121 Clementine Schack ...

“اكتشفت أنّ هناك فرصًا خفيّة كثيرة في السّيرورة – لحظات خاصّة وحميميّة بين المُنتِج والمادّة – وكلّما تقدّمت نحو المُنتج النّهائي، تُمّحى هذه اللّحظات. لا يحظى المُشاهد برؤيتها. أدركت الجمال الكامن بها، وفهمت مقدار أهمّيتها في عمليّة الإنتاج. لا تحظى هذه اللّحظات بالاحترام الذي تستحقّه. منذ أدركت هذا الأمر، صرت ألاحظه في كلّ مكان في الإستوديو. كنت أعمل على إنتاج شيء ما وأكتشف شيئًا آخر. سحرني ذلك. أردت أن أحافظ عليه.

سيفان شفنر2222 من مقابلة ...

لدى كلّ من كافمان وشفنر، ليست الغاية من الاستنساخ إنتاجَ الأصل، بل اللّغة التي تولّد ذلك الأصل. لا يحاول الاستنساخ أن يعود لينتج الأصل أو ما يتماهى معه، بل يحاول أن ينتزع الشّيء من اسمه، وأن يطرح أسئلة عن تسمية الأشياء. الاسم، الكلمة، الجملة، المفهوم اللّغويّ العلميّ، الفعل المهنيّ – ترى الفنّانة أنّ كلّها جزء من شبكة من المعاني يجب إيقاظها من سباتها. أفعال الإبعاد عن الأصل (الاقتباس، التّرجمة، بذل الجهد التّكنولوجيّ، الرّبط بين السّياسة وعالم الحشرات، العنوان الذي لا يتوافق مع السّلسلة أو التّركيب الفنّيّ) تهزّ جميعها اللّغة لتوقظها من العرضيّة التي التصقت بها، ولتكشف عن مادّيتها، وهي تحاول أن تعود إلى الشّيء ذاته لترتبط به: تلك اللّحظة الصّادقة، الطّبيعيّة (شفنر)، ذلك الشّيء الحيّ الكامن خلف الكلمات المُبتذلة (كافمان).

التّوق إلى “العودة إلى الأمور عينها” – على حدّ التّعبير الظّواهريّ الذي وضعه إدموند هورسل في العام 19012323 Edmund Husserl, ... – هو التّوق إلى تذكّر تجربة الاختبار. تلك التّجربة الأوّليّة، بحسب روسو ونيتشه، كامنة في المرحلة الاستعاراتيّة السّابقة لتكوّن اللّغة. يدّعي روسو أنّ أصل اللّغة هو الاستعارة، وأنّ اللّسان الحرفيّ ليس إلّا تقليمًا وتسويغًا للفكر المجاري.2424 E. F. Kittay, ... نيتشه ادّعى هو أيضًا أنّ اللّغة كانت في بدئها تستند إلى استعارات نتجت عن انطباعات أوّليّة، فجائيّة، بديهيّة.2525 Gilman, Blair, ... بحسب نيتشه، كلّ استعارة هي فريدة وخاصّة وتأبى أيّ تأويل. منذ لحظة توقّف الإنسان عن إنتاج تلك الاستعارات، ومذ بدأ باستخدام الاستعارات المتعارف عليها، نتج المبنى التّجريديّ للّغة. يتميّز هذا المبنى بمنظوميّة صلبة وبيئة خطرة وباردة أشبه بالرّياضيّات.2626 المصدر ... بموجب هذا التّوجّه، فإنّ اللّغة الحرفيّة، المفاهيميّة، التي تصف كلّ شيء بذات المقياس، تنتج إنسانًا غريبًا عن ذاته. العودة وفتح المواضع في اللّغة معناه خلع رداء اللّغة الحرفيّة.

دافنه كافمان، “دم المكابيين”، من السلسلة “دم المكابيين”، زجاج معالَج حراريًّا، لبّاد، تطريز على منديل قماش، 50 -50 -4 سم، بلطف من جاليري لورتس+زايدل كونطمبورري، برلين

اعتبر نيتشه أنّ خلق الاستعارات الجديدة يستند إلى غريزة التّوق الأكثر أساسيّة وصدقًا، وأنّ إلغاءها معناه إلغاء الإنسان ذاته.2727 المصدر ... هذا التّوق يُربك الفئات والمفاهيم بشكل دائم، كما يكشف عن الرّغبة في تصميم العالم القائم كعالم متعدّد الأوجه، ومنعدم النّظام، وغير مترابط – عالم مُدهش وجديد مثل عالم الأحلام، ولذلك فإنّه حاضر بشكل أساسيّ في الميثولوجيا وفي الفنون. بحسب فكر هايدغر، أيضًا، فإنّ لغة الشّعر هي فعل صادق يُتيح للإنسان الكشف عن الكيان.2828 هايدغر، ... بحسب هايدغر، فإنّ جوهر الإنسان هو قدرته على الانحراف عن ذاته، كي يتمكّن من الكشف عن الكيان. كي يتسنّى للعالم أن ينكشف للإنسان، يجب الحياد عن اللّغة.

الاستنساخ، كفعل مركزيّ في أعمال كافمان وشفنر، عبارة عن استعارة دومًا: إذ إنّه يتيح للفنّانتين أن يسيرا على درب اللّغة إلى ما وراء اللّغة، وأن تنحرفا عن اللّغة وأن تتحدّياها، وأن تفكّكاها وأن تعيداها إلى انطباعها الأوّليّ. يُحدث الاستنساخ لقاءً بين ذلك المألوف والمنتظم وبين التّعبير المادّيّ الفريد وغير المتكرّر. هذا هو السّبب الذي يجعله مثيرًا. إنّه يتيح للمشاهد أن يتلكّأ، وأن يرى اللّغة كمادّة، وأن يلتقي بالانطباعات الأولى التي انبثقت عنها اللّغة.

سيفان شيفنر،One Bull’s Herd ، غرض، 2017. حجم الإنشائيّة بالسنتيمتر: الارتفاع 80، العرض 400، العمق 30. تصوير: تومر فروخطر

بخلاف اللّامبالاة التي يتضمّنها الكلام الاعتياديّ، فإنّ الخروج عن اللّغة مفاجئ ومُثير للدّهشة. هذا العمل الاستعاريّ يُتيح لقاءً مع ذلك الذي لا انتظام فيه. إنّه يحاول أن يكشف عن مدى حركة الكيان، وعن الحدث والمناسبة قبل تحوّلهما إلى تعريف. هذا الهدف اليائس ينطوي على مسؤوليّة بالغة. إنّه يتطلّب من الفنّانتين أن تتنازلا عن اليقين، وأن تتبنّيا بدل ذلك موقفًا من الإصغاء والإذعان.

“ومن يعرف، قد يكون ذلك جيّدًا للإنسان، أن يرث قشرة الكلمة دون داخلها، كي يكون هو ذلك الذي يملأها، أو يضيف إليها من ذاته، ويبعث فيها شيئًا من ضوئه ذاته، في كلّ مرّة.”2929 بياليك، ...

تعتبر دافنا كافمان وسيفان شفنر اللّغة كمادّة خام مُنعزلة، كامنة في أساس منظومات العالم لدى الإنسان. في أعمالهما، تحاول الاثنتان استحضار المادّة المُنظّمة، وتحدّي وجودها في الآن ذاته. إنّه موقف أخلاقيّ وجماليّ، إذ يطرح أسئلة حول المنظومة الثّقافيّة المُشتقّة من المنظومة اللّسانيّة، ويحاول أن يُعطي الفرصة لذلك الذي قُبِر مع اللّغة الميّتة.

   [ + ]

1. חיים נחמן ביאליק, “גילוי וכיסוי בלשון”, דברי ספרות, תל אביב: הוצאת ספרית דביר לעם, 1954, עמ’ כד.
2. جان جاك روسو، מסה על מוצא הלשונות, ترجمة: עידו בסוק، إصدار רסלינג، 2008; S. L. Gilman, C. Blair
3. Gilman, Blair, Parent, ibid., pp. 246-257
4. Martin Heidegger, Being and Time, translated by John Macquarrie and Edward Robinson, Oxford: Basil Blackwell, 1962, pp. 203-210.
5. عبّر الفيلسوف التّاويّ لاو تسه عن توجّه مشابه منذ القرن الرّابع قبل الميلاد، إذ نعت اللّغة بـ “الحاجز الحاجب”. وتغلغل هذا التّوجه لاحقًا أيضًا إلى البوذيّة الـ “زِن”. Fung Yu-Lan, A Short History of Chinese
6. بياليك، “الكشف والحجب في اللّغة”، ص. 26.
7. المصدر ذاته.
8. هايدغر، المصدر ذاته، ص. 203-210.
9. المصدر ذاته
10. بياليك، “الكشف والحجب في اللّغة”، ص. 30-31.
11. Dafna Kaffeman, “I Was trained Hunting Wolves”, Solo Exhibition, Heller Gallery, New York, USA, 2004.
12. Dafna Kaffeman, “Persian Cyclamen”, Solo Exhibition, lorch+seidel contemporary, Berlin, Germany, 2006.
13. Kaffeman, “Persian Cyclamen”, ibid.
14. أنتجت السّلسلة كجزء من مشروع “عند الطّرف” – وهو عبارة عن معرض لستّة فنّانين دوليّين أقيم في المدينة النّرويجيّة ستافانيير، في إطار مناسبات العاصمة الثّقافيّة لأوروبا في العام 2008. في الأصل، اشتملت السّلسلة على عشرة أعمال من التّركيبات الفنّيّة ذات رسائل سياسيّة اجتماعيّة عُرِضَت في فنار جزيرة أوتسيرا، الواقعة في بحر الشّمال.
15. تقنيّة لإنتاج سلسلة من الأدوات على الدّولاب
16. مقياس وزن مُتّبع واعتياديّ للمادّة لإنتاج صحن بواسطة الدّولاب.
17. بياليك، “الكشف والحجاب في اللّغة”، ص. 25.
18. دافنا كافمان، لمحة. في: Mantis religiose, lorch + seidel Gallery, Exhibition Catalog, 2010, p. 51.
19. الاقتباس منقول عن مقابلة أجريتها مع سيفان شفنر في إطار البحث الذي أجريته لكتابة هذا المقال، تل أبيب 19.11.2018.
20. Dafna Kaffeman, Mantis religiose, lorch + seidel Gallery, Exhibition Catalog, 2010, pp. 56-58.
21. Clementine Schack von Wittenau, “Under the Sign of the Praying Mantis”, in: Dafna Kaffeman, Mantis religiose, lorch + seidel Gallery, Exhibition Catalog, 2010, p. 11.
22. من مقابلة تحضيرًا لهذا المقال، تل أبيب 19.11.2018.
23. Edmund Husserl, Logical Investigations, Dermot Moran (ed.), 2nd Ed. 2 vols. London: Routledge, 2001, p. 168.
24. E. F. Kittay, Metaphor: Its Cognitive Force and Linguistic Structure, Oxford: Clarendon Press, 1987, pp. 4-6.
25. Gilman, Blair, Parent, ibid., pp. 246-248.
26. المصدر ذاته.
27. المصدر ذاته، ص. 254.
28. هايدغر، المصدر ذاته، ص. 203-210.
29. بياليك، الكشف والحجب في اللّغة” ص. 25-26.

قائمة المراجع

ביאליק, חיים נחמן. “גילוי וכיסוי בלשון”, דברי ספרות, תל אביב: הוצאת ספרית דביר לעם, 1954, עמ’ כד-לא.

מנור-פרידמן, תמר. “צמחים במולדת”, בתוך: רקפות – צומח, מקום, משל, קטלוג תערוכה, דעת המקום, מוזיאון ישראל, ירושלים, 2019, עמ’ 97-71.

רוסו, ז’אן ז’אק. מסה על מוצא הלשונות, תרגום: עידו בסוק. תל אביב: הוצאת רסלינג, 2008.

Eliezer Brunner, Henrietta. In: Dafna Kaffeman – Persian Cyclamen, Exhibition Catalog, lorch + seidel, Germany, 2006, pp. 3-13.

Fadat, Manuel. “Mantis Religiosa”. In: Dafna Kaffeman, Mantis religiose, lorch + seidel Gallery, Exhibition Catalog, 2010, pp. 13-15.

Gilman, S. L., Blair, C., and Parent, D. J. (eds.). “On Truth and Lying in an Extra-Moral Sense”. In Friedrich Nietzsche on Rhetoric and Language, Oxford: Oxford University Press, 1989.

Heidegger, Martin. Being and Time, translated by John Macquarrie and Edward Robinson. Oxford: Basil Blackwell, 1962.

Kaffenan, Dafna. In Franz Jeursen, “Five Young Talents”, Neues Glas/New Glass, Germany, Summer 2002.

Kaffeman, Dafna. In Davira S. Taragin, Without Camouflage, Exhibition Catalog. David Owsley Museum of Art, Ball State University, 2014.

Kittay, E. F. Metaphor: Its Cognitive Force and Linguistic Structure. Oxford: Clarendon Press, 1987.

Lorenz, Lutz. “Mantis Religiosa”. In Dafna Kaffeman, Mantis religiose, lorch + seidel Gallery, Exhibition Catalog, 2010, pp. 13-15.

Page, Andrew. “The Code Breaker”. In Glass. Brooklyn, NY, no.123, 2011, pp.22-17.

Yu-Lan, Fung. A Short History of Chinese Philosophy. New York: Macmillan, 1948.

Back to Top