• القضية
  • 2
  • #
  • الخاميّة

والحجر من الجدار يصرخ – حول فسيفساء الأرض التي نُفِيَت إلى الجدار والتّجربة الخام المفقودة

“[…] On the floor I am more at ease. I feel nearer, more a part of the painting, since this way I can walk around it […] and literally be in the painting […]”
(Jackson Pollock, 1947)11 Francis Valentine ...

مقدّمة: الوسط هو الرّسالة

يرحّب بالدّاخلين إلى دولة إسرائيل عبر مطار دافيد بن غوريون جدار مزيّن ببقايا فسيفساء رومانيّة بيزنطيّة، من القرنين الخامس والسّادس بعد الميلاد (صورة رقم 1).22 راجعوا ... لم تُعدّ الفسيفساء لتزيين معبر دوليّ، بل ولم تُعدّ لتُعلّق على الحائط الذي نُقلت إليه، مدعومة ببنية تحتيّة ضخمة من الأسمنت، إذ كان موقعها في الماضي على الأرض، حيث كانت أشبه بسجّادة. إنّ الكتابات المُرافقة للفسيفساء توضّح للمُسرعين في الممرّ نحو أكشاك ختم الجوازات أنّها بقايا فسيفساء أرضيّة يعود أصلها إلى بيسان، بيت لحم الجليليّة وقيسارية. كذلك، يتعلّم أولئك القلائل الذين يتوقّفون لقراءة الشّروح أنّ (أجزاء) الأعمال الفنّيّة تلك عُلِّقت هناك كذكرى لأمير دروري (1937 – 2005)، والذي كان، من ضمن أمور أخرى، مؤسّس سلطة الآثار ومديرها الأوّل. من المرجّح أنّ بقايا الفسيفساء تلك، لو لم تعلّق هنا، لكانت وجدت نفسها محتجزة في مخازن أُحضِرت إليها من مواقعها الأصليّة، ولما حظي الجمهور برؤيتها. لكن، مع كل الاحترام للأعمال الفنّيّة، من جهة، وللمرحوم دروري، من ناحية أخرى، فإنّ في هذه الخطوة أمرًا مقلقًا. لشرح الأمر، يُمكننا أن نقول إنّ هذه الخطوة أشبه بنسخ الجداريّات التّمرّديّة لفنّان الشّارع بانكسي (Banksy) من الشّارع إلى المتحف (وذلك لئلّا نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك – غرفة المعيشة في بيت أحدهم). وقد يكون ذلك الفعل أسوأ من هذا المثال، إذ إنّ الجدار هو جدار وسيبقى جدارًا. لا يسع الجدار أن يكون أرضًا أبدًا!

صورة رقم 1
ممرّ الدّخول إلى دولة إسرائيل، مطار بن غوريون

ينوي هذا المقال أن يصوّب الأنظار والأفكار نحو (وربّما أيضًا تحدّي) فعل شائع نوعًا ما (ومع ذلك، تميل الأبحاث إلى تجاهله) وهو نسخ فسيفساء الأرض، وخاصّة تلك التي تعود إلى العصور القديمة أو الوسطى، ووضعها على الجدار، وذلك للحفاظ عليها من استمرار التآكل والخراب. وكيلا نسهو: الحجارة الخام التي تُصنع منها فسيفساء الأرض مُعدّة لمداس الأقدام. إنّها تطالب (لتحاشي استخدام لفظة “تستلزم”) باللّمس وبكلّ ما يُشتقّ عنه – الذّهاب والإياب دون غاية، البحث عن زاوية النّظر الصّحيحة (إذا افترضنا وجود زاوية كهذه)، إمكانيّة الإخباء والنّظرة المُتقطّعة. فور إحالة العمل الفنّيّ إلى الجدار، فإنّه يفقد ولو قيد أنملة من صلاحيّته. حقيقة الأمر أنّه محميّ؛ فوجوده هناك يُتيح لنا مراقبته بشكل أكثر شمولًا، ومن الممكن أيضًا أنّه، بموقعه الجديد، يحظى بانكشاف أكبر من ذلك الذي كان في إمكانه أن يحظى به في موقعه الأصليّ (على افتراض أنّه لما وجد نفسه في مخازن سلطة الآثار)، وبتحسين لمكانته كعمل فنّيّ “تأسيسيّ” ينعم بدعم المتحف (أو أيّ مؤسّسة رسميّة أخرى) وبعمليّة الشّعشعة المصاحبة لذلك. لكنّ “الشّاعر” لم يرمِ إلى ذلك. إنّ الفسيفساء الرّومانيّة، أو البيزنطيّة، أو تلك التّابعة للعصور الوسطى، أو تلك التي أُنتِجت في مرحلة لاحقة بروح تلك الفترات عينها، تُطالب علنًا وجهارًا أن تكون جزءًا لا يتجزّأ من الأرض وأن يتمّ اختبارها في هذا السّياق – المكان الذي يحيا فيه الإنسان حياته الفانية، والحيّز الذي يُفترض أن يتوه ويضيع فيه. الأمر سيّان، بالنّسبة لنا، بين الفسيفساء التي تزيّن أرضيّة المباني الدّينيّة (كالكنيس أو الكنيسة)، وتلك التي تزيّن المنازل الخاصّة أو المناطق المدنيّة المفتوحة. من نواحٍ عديدة، يُمكننا التّعامل مع فسيفساء الأرض على أنّها عمل فنيّ تفاعليّ. يُلغي الجدار هذه الإمكانيّة، إذ يقتلع العمل الذي من المفترض أن يفترش الأرض من التّجربة الخام الحقيقيّة الكامنة فيه – الخام بمعنى الملمس البدائيّ الخالي من الوساطة.

مع أنّني سألقي الضّوء على مجموعة من فسيفساء الأرض التي تعود إلى العصور الوسطى، فإنّني سأزرع على طول المقال أمثلة إضافيّة مأخوذة عن مولد الفنّ “الرّفيع”، وكذلك عن حقول أخرى من الثّقافة البصريّة “الرّائجة”. كذلك، فإنّ التّحرّك من دراسة حالات معيّنة نحو القراءة العامّة (ثمّ العودة إلى الحالات المعيّنة) هدفها توضيح ما يلي: إنّ فهم الانجذاب بين العمل البصريّ، أيًّا كان، وبين الأرض، أيًّا كانت، يستوجب منّا مواجهة مسائل تُعنى بالجوهر العميق للإنعام – الإنعام الذي يتداخل فيه الإدراك الفكريّ والتّجربة الحسّيّة اللّذان يُمكن اعتبارهما، من جملة أمور أخرى، حصيلة الملامسة الجسديّة بحدّ ذاتها.

إذًا، سوف أكرّس القسم الأوّل من المقال (الفصل أ) للفنّ “المقرون بالموقع” (site-specific art)، وسوف يُعنى بشكل خاصّ بمسائل شتّى تتعلّق بانجذاب العمل (مهما كان وسطه أو الغاية منه) للأرض، وعن دور تلك الأخيرة، ووظيفتها ومعناها في السّياق المعماريّ الشّامل أو الحيّز العام الذي تنوجد فيه. سوف أحاول أن أتطرّق تحديدًا إلى أرضيّات الكنائس المسيحيّة. يبدو لي أنّ هذا النّقاش المركّز في إمكانه أن يُضفي فصلًا على الحوار بخصوص المكانة الفكريّة التي يجب أن يحظى بها الحيّز الفعليّ الذي تجري فيه عمليّة الإنعام، وبخاصّة في كلّ ما يتعلّق بالتّجربة الذّهنيّة، والعاطفيّة والجسديّة التي يخوضها كلّ واحد منّا عند زيارته للموقع الذي يفترش أرضيّته عمل فنّيّ (أو نصّ) يدعونا إلى الدّوس عليه وإلى قراءة الصّورة الشّاملة من خلال لقاء دون أيّ وساطة، بين البنية التّحتيّة، والغطاء الذي أعطي لها، وحركتنا داخل الصّورة نفسها.

سوف يركّز القسم الثّاني (الفصل ب) من المقال على مجموعة فسيفساء أرضيّة تعود إلى القرون الوسطى في شمالي إيطاليا. سوف نستخدم هذه المجموعة كدراسة حالة لمناقشة ذلك الانجذاب بين مضامين العمل الفنّيّ والمكان الذي اختير لأجله، انطلاقًا من إدراكنا أنّه على الرّغم من وجود مواضيع لا تلائم الأرض، فهنالك مواضيع أخرى، تلك التي ترافق المخطّطات الأيقونيّة المتناسقة، لا تناسبها الأرض فحسب، بل ليس هناك ما هو أنسب منها.

أمّا القسم الثّالث من المقال (فصل ج) فسوف يُكرّس لموضوع عزل الأعمال “المقرونة بالموقع” عن بيئتها، أكان ذلك فعليًّا أم ذهنيًّا. تقضي الفرضيّة بأنّ نقل العمل الفنّيّ من الموقع الذي أُنتِج فيه والذي خُصّص من أجله إلى موقع “معقّم” يؤذي، بشكل جوهريّ، حقيقة العمل الدّاخليّة والتّجربة العامّة التي من المُفترض أن يولّدها. بطبيعة الحال، إنّ إزاحة الأعمال الفنّيّة من الأرض وإلغاء التّأثير الخام النّابع عن اللّقاء الخالي من الوساطة بحدّ ذاته هما مسألتان إشكاليّتان.


1: المكان الذي تقف فيه…

يعود المصطلح “فنّ مقرون بالموقع” (site-specific art) إلى عقد السّبعينيّات من القرن العشرين في الولايات المُتّحدة، تمامًا كما يعود المُصطلح “عمل فنّيّ كلّيّ” (Gesamtkunstwerk) إلى ألمانيا القرن التّاسع عشر. بما معناه أنّه صحيح أنّ هذه المُصطلحات وُضِعَت آنذاك وفي تلك الأماكن تحديدًا، لكن من الواضح أنّه يجوز استخدامها واستعارتها وتطبيقها على أعمال فنّيّة من مواقع أخرى وحقب مختلفة. فرسوم الكهوف التي أنتجها الإنسان القديم هي رسومات “مقرونة بالموقع” بشكل لا يقلّ عن إنتاجات كريستو وجان كلود (Christo and Jeanne-Claude).33 لا مكان ...

وينطبق الأمر كذلك على الرّسومات، الفسيفساء، والنّقوش البارزة، والتّماثيل التي تزيّن كنائس كثيرة حول العالم منذ بداية المسيحيّة. فقد أُنتِجت هذه الأعمال في ذلك الموقع المُحدّد مع قصد أن يختبرها الإنسان هناك، وليس في أيّ مكان آخر. وحتمًا يقترن مفهوم “الموقع” بهذه الأعمال ليس فقط من حيث نوع المبنى وغايته (كنيسة أو بيت العماد، على سبيل المثال) بل أيضًا – وفي أحيان كثيرة بالأساس – من حيث هويّة العنصر المعماريّ الذي يُستخدم كخلفيّة للأعمال الفنّيّة (سقف، أو قبّة، أو جدار، أو حنايا الكنيسة، أو العمود، أو الأرض). من الواضح أنّ مشهد عماد يسوع المسيح المعروضة على جدار البهو المركزيّ في كنيسة ما، يحمل في طيّاته خليطًا كثيفًا من المعاني المبطنّة التي تختلف عن تلك التي يحملها مشهد العماد عند عرضه على قبّة بيت العماد.44 على سبيل ... إلى جانب وظيفة المبنى وجودة العنصر المعماريّ، هناك أيضًا أساليب إنعام وعمل مُختلفة من جهة المؤمن المُشاهد. إنّ مناقشة المعاني العميقة التي تُضفى على الأعمال الفنّيّة المسيحيّة “المقرونة بالموقع”، عمومًا، وعلى فسيفساء الأرض الكنيسيّة، على وجه الخصوص، تستلزم جذبًا مسبقًا للأنظار نحو موضع العمل الفنّيّ (أيًّا كان نوعه) على الأرضيّة (مهما كان نوعها) (بند 1) ونحو أسلوب فهم اللّاهوت المسيحيّ على أجياله وتأويله لأرضيّة الكنيسة (بند 2).

1. الصّورة أو النّص على الأرض – رؤية، حركة، لمس

في ما يتعلّق بالأعمال الفنّيّة وبسائر المركّبات البصريّة أو الملمسيّة التي تفترش الأرض (والأمر سيّان إن كان الحديث عن حيّز مدنيّ مفتوح أو مبنى معيّن، أو إن كان المبنى دينيًّا أو علمانيًّا)، يجب التّطرّق، ولو مرّ الكرام، إلى مسألتين تُعنيان بمنظومة العلاقات بين المُشاهد وغرض المشاهدة. هاتان المسألتان كامنتان في إدراك البصر وتتداخلان الواحدة بالأخرى.

صورة رقم 2
خارطة العالم المصنوعة من البلاط، بيت لحم البرتغاليّة (Belém) (لشبونة، البرتغال)

تُعنى المسألة الأولى بالنّظرة بحدّ ذاتها وبالحركة المطلوبة من المُشاهد أثناء بحثه عن نقطة المشاهدة الصّحيحة (وقد لا تكون تلك نقطة واحدة ووحيدة). فالنّاس لا يميلون إلى إنعام النّظر بتلك الأمور الواقعة تحت أقدامهم مباشرة، كما أنّ حقل الرّؤية البشريّة محدود، لكن علاوة على ذلك فإنّ الأعمال الفنّيّة الموجودة على الأرض تُثير صعوبات غير بسيطة لمن يُحاول أن ينعم بها النّظر. في أحيانٍ عديدة، يُغطّي أشخاص آخرون أجزاءً من العمل ويحجبون حقل الرّؤية. عند الحديث عن مبنى مُغلق، قد تكون هناك أعمدة وقطع أثاث عديدة مزروعة داخل العمل ذاته. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فإنّ الزّاوية التي يُبصر بها الإنسان عملًا يمتدّ أمام قدميه لا تُتيح له إلّا التقاط أجزاء صغيرة من العمل، في حين تتطلّب قراءة العمل الشّامل من الإنسان أن يتحرّك تدريجيًّا باتّجاهات مُختلفة – ذهابًا وإيابًا، ذات اليمين وذات اليسار. معنى ذلك هو أنّ القدرة على تخمين النّسب بين الأعلى والأسفل، أو المرتفع والمنخفض، وعلى فهم الصّورة بدقّة، تتطلّب وقتًا وتستلزم عمليّة من التّجربة والتّيه، وذلك لمُلاءمة “الاستبصار البيئيّ” (environmental orientation) و”الاستبصار الحيّزيّ” (spatial orientation).55 Rudolph Arnheim, ... على سبيل المثال، فإنّ خارطة العالم المصنوعة من البلاط (1960) والموجودة عند واجهة نصب الاكتشافات في بيت لحم البرتغاليّة (Padrão dos Descobrimentos, Belém)، تُجبر الزّائر المشاهد على الدّوران. وتحديدًا لأنّ الرّحلات على اليابسة أو على البحر ممكنة في عدد لا نهائيّ من الاتّجاهات، فعندما نُدرك أنّ قراءة تلك الخارطة تُتيح نقاط مشاهدة عديدة، وفي الآن ذاته تُحيلنا إلى نقطة مشاهدة معيّنة (تلك اللّازمة لقراءة الأسماء)، تتحوّل التّجربة الشّاملة إلى تجربة عمليّة وداعمة للحيّز ككلّ، المُكرّس لتذكار مكتشفي العالم البرتغاليّين، الذين خرجوا من تلك النّقطة في القرنين الـ 15 والـ 16 ليجوبوا العالم في بحثهم عن أماكن فريدة (صورة 2). من الواضح أنّ مثل هذه التّجربة لا تقتصر على الأعمال الجديدة فقط. على سبيل المثال، في إطار إنعام النّظر في فسيفساء الأرض الرّومانيّة، تتحدّث ريبيكا مولهولت عن “تجربة الحركة” (experience of motion).66 Rebecca Molholt, ...

صورة رقم 3
مشاهد من حياة النّظام الفاشيّ، وتشمل اسم الـ دوتشه (DVCE)، بياتساله دلّيمبيرو، منتدى موسولوني (اليوم: المنتدى الإيطاليّ) (Piazzale dell’Impero, Foro Mussolini > Foro Italico)، روما، 1937

أمّا المسّالة الثّانية فتُعنى بالملامسة الجسديّة الإلزاميّة. هناك تحدٍّ لتجربة المُشاهدة المُتعارف عليها والتي تكاد تكون مفهومة ضمنًا، تلك التي تفصل بين الفرد والغرض، ويستلزم هذا التّحدّي تفكيرًا. يتطابق الواقعان: “الواقعيّ”، الذي فيه يتواجد المُشاهد، وذلك “الافتراضيّ”، الذي يشاهده، ويتحوّلان إلى واقع واحد. يخطو المشاهد داخل الواقع فيتحوّل (وربّما يكون ذلك غصبًا عنه) إلى شريك في الحدث، وهذا علاوةً على احتكاكه بكلّ ما للكلمة من معنى بالشّخصيّات المعروضة. على سبيل المثال، فإنّ الخطو على فسيفساء الأرض في بياتسالِه دِلّيمبيرو (Piazzale dell’Impero) في مدخل منتدى موسوليني (والذي أصبح في ما بعد يُعرف باسم المنتدى الإيطاليّ) (Foro Mussolini, Foro Italico) في روما (1937) يُتيح للمواطن الزّائر المُشِاهد أن يتحوّل إلى جزء من المجموعة التي تؤدّي التحيّة للقائد (أو مجموعة الرّياضيّين والجنود)، وبمجرّد هذا الفعل وملامسة الفسيفساء، فإنّه يستحضر ويستنسخ الفعل الموصوف (صورة 3). في هذا السّياق، يحدّثنا مايكل تيمكيف عمّا يُطلق عليه هو اسم “المُشاهدة المُتداخلة” (engaged spectatorship). هذه المُشاهدة تدمج اللّمس الجسديّ بالحركة المنتظمة التي “تكاد تكون مسيريّة” (quasi-processional) نحو جهة محدّدة – نحو المنتدى نفسه، كجزء من بنيان إيطاليا في عهد موسوليني كإمبراطوريّة بروح الإمبراطوريّة الرّومانيّة القديمة وخلق “إحساس بالانتماء” (sense of belonging) لدى الفرد. إلى جانب إمكانيّة المسيرة المُنتظمة والخطّيّة، وهي تحصيل حاصل لتنظيم الفسيفساء على طول المحور الرّئيسيّ المُستقيم، يُشير تيمكيف إلى إمكانيّة إضافيّة من الحركة الدّائريّة التي تتيح تدفّقًا أبطأ وعمليّات تفكير. يُصبح ذلك ممكنًا بفضل وضع بعض الفسيفساء بزوايا مختلفة بالنّسبة لذلك المحور الرّئيسيّ.77 Michael Tymkiw, ... في كلتا الحالتين، لا يسعنا هنا إلّا أن نتحدّث عن “التّعاطف” الذي يشعر به المُشاهد تجاه مواضيع العمل الفنّيّ، بأعمق ما للمفهوم من معنى.

صورة رقم 4
حجارة عثرة في شارع بورسنبورخ (Borsenburg Straat)، أمستردام

تُصبح هاتان المسألتان مُثيرتين بشكل خاصّ عندما تكون الأرضيّة نفسها هي أرضيّة مكان محدّد، وهو ما يعزّز من أهمّيّة النّقاش حول الأعمال “المقرونة بالموقع” والتّجارب التي تولّدها. هذا ما يحصل، مثلًا، مع “حجارة العثرة” (Stolpersteine)، التي يغرسها الفنّان الألمانيّ غونتر دمنيغ (Gunter Demnig) في أرصفة مختلف المدن في أوروبا تخليدًا لذكرى ضحايا النّازيّة. كلّ واحد من ألواح الإسمنت والنّحاس موضوع عند مدخل منزل الضّحيّة ويحمل الكتابة “هنا سكن” أو “هنا عاش” مع اسم الضّحيّة، وسنة ميلادها وتطرّق إلى مصيرها (صورة 4). كانت الرّدود على هذه الأعمال مختلطة ومعقّدة منذ البداية، أي في العام 1995. من حيث المادّة، ادّعى كثيرون أنّه لا يصحّ أن تكون أسماء الضّحايا مداسًا للأقدام؛ أمّا من حيث الموقع، لم يشكّك أحد في أنّ ملاصقة الحجارة لمنازل الضّحايا هي تذكار أبديّ يقضّ المضاجع. علاوة على ذلك، حتّى إذا لم يعد المنزل ذاته قائمًا، ليس بحالته الأصليّة، على كلّ حال، فإنّ الأرض هي الأرض ذاتها – هذا هو المكان الذي سار به من طُرِد من هنا ولم يعد أبدًا. وصوته صارخ من الأرض، تمامًا كما جاء في سفر التّكوين (الإصحاح الرّابع، آية 10).88 حول حجارة ... بالإضافة إلى ذلك، من الصّعب ألّا نفكّر في كون حجارة العثرة بديلًا لبقًا للشّاهد (والقبر) الذي لم يحظ به الإنسان المخلّدة ذكراه هنا. لا يُمكن لأيّ جدار أن يولّد النّجاعة البالغة لتجربة المشاهدة والحركة والملامسة التي يولّدها الموقع المُحدّد الذي تمّ اختياره لحجارة العثرة.

صورة رقم 5
الأزرار النّحاسيّة المغروسة في أرضيّة السّاحة الخلفيّة لبلديّة تل أبيب، في الموقع الذي اغتيل فيه يتسحاق رابين (تفصيل: يتسحاق رابين، و”قاتل”، وسهم يُشير إلى المكان الذي وقف فيه القائد يعقوف شوفال)

هناك مثال إضافيّ يوضّح التّعقيد النّاتج عن الدّمج بين كون النّظر إلى العمل من علوّ ومتقطّعًا أحيانًا، وبين التّساؤل بخصوص نقطة المشاهدة الصّحيحة والملامسة الجسديّة للصّورة أو النّصّ، وهو الأزرار النّحاسيّة العشرة التي وُضِعَت في موقع اغتيال يتسحاق رابين. تُشير الأزرار إلى الموقع المُحدّد الذي وقف فيه رئيس الحكومة، وقاتله، وحرّاس الأمن والمرافقون الثّمانية (صورة رقم 5) في تلك اللّحظة التّاريخيّة. على أحد الأزرار، حُفِر اسم رابين، في حين حُفِرت على زرّ آخر كلمة “قاتل”. هذا القرار مُذهل بتعقيده الفكريّ والعاطفيّ المفروض على الزّائر: من جهة، يبدو أنّ لفظ اسم يغآل عمير صراحةً فيه شيء من تدنيس المقدّسات، ومن جهة أخرى فإنّ ذكر اسم الشّخص الذي من المُفترض أن يخلّد الموقع ذكراه، يُتيح للزّائرين الدّوس عليه. بطبيعة الحال، هدف دافيد تارتاكوفر، الذي صمّم السّاحة (والتي تشمل النّصب التّذكاريّ وجدار الغرافيتي)، إلى السّماح لجميع الزّائرين بخوض تجربة ما حصل هنا على وجه خام كلّيًّا.99 נעמי ... قد لا يرتقي الأمر لاستنتاج “علميّ”، لكن إذا أنعمت النّظر عشوائيًّا في العابرين والمارّة في “مسرح الجريمة” سترى أنّ لا أحد يستخدم إمكانيّة الوقوف بنفسه في أحذية رابين، عمير، أو أيّ من حرّاس الأمن، أثناء سيره وتحرّكه بين الأزرار المختلفة ليغوص في “لعبة أدوار” هي أنجع ما يكون لتعميق الفهم وتوليد العاطفة.

بما معناه أنّ فهم الحيّز المُستخدم كخلفيّة للعمل، أو الصّورة أو النّص، والتّطرّق إلى التّفاعل الخالي من الوساطة الذي (من المفترض أن) يجري مع المشاهد، باستطاعتهما أن يلقيا الضّوء على الرّمزيّة بحدّ ذاتها، وعلى سؤال ما إذا كانت الأرض مناسبة لكلّ موضوع، أو بعكس الأدوار، ما إذا كان كلّ موضوع مناسبًا للأرض. لا شكّ في أنّ مضامين البلاط في لشبونة، والفسيفساء في روما، وحجارة العثرة في أمستردام، والأزرار في تل أبيب (الصّور 2-5، بهذا التّرتيب) غير عشوائيّة، كما أنّ اختيار الأرض / الرّصيف لم يكن عشوائيًّا. يبدو أنّ تحليل الفسيفساء الفاشيّة التي من المفترض، بحسب أقوال تيمكيف، أن تتيح “تداخلًا جسديًّا وروحانيًّا” (corporeal and spiritual engagement)، تمامًا كتلك التي أتاحت لفسيفساء الأرض الرّومانيّة التي استوحيَت منها،1010 Tymkiw, Floor ... هو تحليل صائب وذو صلة في جميع الحالات المذكورة هنا. ويجدر حتمًا التّساؤل حيال انطباق ذلك أيضًا على فسيفساء الأرض الكنسيّة.

2. أرض الكنيسة – بين التّبجيل والتّحقير

إنّ إنعام النّظر في فسيفساء الأرض الكنسيّة يُجبرنا على رؤيتها تمامًا كما نرى الفنون المسيحيّة الضّخمة، أيًّا كانت، أي في سياق العنصر المعماريّ المُحدّد الذي خصّصت له والذي رافقها عن كثب. لذلك، يجب التّفكير في طريقة فهم اللّاهوت المسيحيّ على مرّ العصور وتأويله لأرضيّة الكنيسة. منذ الفترة المبكرة للمسيحيّة، أجمع علماء اللّاهوت المسيحيّون على فكرة وجود مكان خاصّ لكلّ صورة في الكنيسة. هذا الانجذاب بين العمل الفنّيّ والعنصر المعماريّ يعود إلى إدراك المبنى بحدّ ذاته كرمز وتجسيد للهرميّة الكونيّة من جهة، والهرميّة الكنسيّة من جهة أخرى. هكذا، حظي كلّ قسم من أقسام الكنيسة بتأويل رمزيّ، بحسب موقعه في الصّورة المعماريّة الشّاملة، ابتداءً بالسّقف والقبب، ومرورًا بالجدران والأعمدة، وانتهاءً بالأرض. بطبيعة الحال، يجب فهم العضو الفرديّ بحسب علاقته بالأعضاء الموجودة إلى جانبه، أو فوقه، أو تحته، وتلك التي تتّصل معه لتكوين المبنى التّام – المبنى الفعليّ والفكريّ في آن.

بخصوص أرضيّة الكنيسة، يبدو أنّها سبّبت الكثير من المشاكل. فيجدر التطرّق إليها، كحال أيّة أرضيّة كانت، من جانبين – الجانب المعماريّ والجانب البشريّ. من ناحية معماريّة، فإنّ الأرضيّة هي البنية التّحتيّة للمبنى؛ ومن النّاحية البشريّة، فإنّها العنصر الوحيد (!) الذي يلامسه الإنسان. علينا أن نفهم هذين الجانبين كي نستطيع دراسة الأعمال الفنّيّة التي اختيرت لتزيين أراضي الكنائس في العصور الوسطى. مجرّد تعريف الأرض كبنية تحتيّة للمبنى ينطوي على ازدواجيّة. من جهة، فالأرض هي الأساس المصيريّ لكلّ شيء، ودونها لا تبقى الجدران ولا يثبت السّقف. من جهة أخرى، فإنّها الجزء الأسفل في الهرميّة. وبصفتها الجزء الأسفل، يسهل اعتبار أنّ أهمّيّتها منخفضة، أو حتّى معدومة. بل أكثر من ذلك؛ إنّ تصوّر العالم في القرون الوسطى لم يكتف بترتيب الفئات الكونيّة على محور عموديّ تدريجيّ، بل قسّم العالم إلى أزواج من أقطاب متضادّة منسوبة إلى “الأعلى” و”الأسفل”: السّماوي مقابل الأرضيّ، الله مقابل الشّيطان – حاكم الجحيم، وكذلك الأمر بالنّسبة للجوهر والمادّة، والرّوح والجسد. في كتابه تصوّر العالم لدى النّاس في القرون الوسطى يكتب آرون غوريفيتش: “هذه هي فعلًا الإحداثيّات التي تعرّف صورة العالم في القرون الوسطى”.1111 אהרן ...

أمّا بخصوص الملامسة الخالية من الوساطة، المذكورة أعلاه (بند 1 في هذا الفصل): ففي حين أنّ الإنسان غير ملزم بلمس جدران المبنى، وغير قادر على لمس السّقف، فإنّ جسده مربوط بالأرض. بل أكثر من ذلك: يسهل تفسير هذا الانجذاب بين الإنسان والعنصر المعماريّ بطريقة فكريّة. إنّ رُنُوّ العيون إلى أعلى، نحو الجدران والسّقف، يُفسّر في سياق الإعجاب. أمّا وقوف الإنسان على الأرض ودوسه لها برجليه، فيُفسّر في سياق الانتصار والإذلال.

باختصار، إنّ فرادة الأرض وسرّ سحرها يكمن في هذه الازدواجيّة وفي التّناقضات التي تولّدها. بطبيعة الحال، يتراوح تعامل النّاس في العصور الوسطى مع أرضيّة الكنيسة بين هذين القطبين. من جهة، بما أنّ الأرضيّة هي عنصر أساسيّ لإقامة المبنى، فإنّها تحظى باحترام؛ ومن جهة أخرى، لم يسع النّاس إلّا احتقار ذلك العنصر الموجود في أسفل الطّبقيّة، والمحكوم عليه بالدّوس، والتّآكل، والاتّساخ دون انقطاع.

إذا كان الأمر كذلك، يُطرح السّؤال: ما هي التّأويلات الرّمزيّة التي حظي بها هذا العنصر المعماريّ؟ إلى جانب التّطرّق الكتابيّ العامّ لأرضيّة الكنيسة كرمز للأرض (أو الكرة الأرضيّة)، يُمكننا إيجاد تطرّق عينيّ لرجال الكنيسة في القرون الوسطى للأرضيّة كتجسيد لجماهير المؤمنين البسطاء، وهم نفسهم “فقراء المسيح: فقراء الرّوح”، بحسب رجل الكنيسة ويليام دوراندور (William Durandus, Guliemus Durantis, 1296-1230).1212 William Durandus, ... ويضيف: “الأرض، التي تدوس عليها الأقدام، تجسّد الجموع، التي بـ[مساعدة] أعمالها وجهودها تتغذّى الكنيسة وتُصان”.1313 المصدر ... وليس تأويل أرضيّة الكنيسة كالكرة الأرضيّة وكجموع المؤمنين محض صدفة. فالأرض والمؤمنون موجودان كلاهما في أسفل الهرم (الكونيّ أو البشريّ) ومصير كليهما الدّوس (فعليًّا) والذلّ (فكريًّا)، وفي الآن ذاته يشكّلان عنصرًا أساسيًّا لعمل المجموع ككلّ.


2:  حالة فسيفساء الأرض في شمالي إيطاليا في القرون الـ 11 إلى الـ 13: حياة الإنسان على الأرض معروضة في أكثر مكان يلائمها

مع أنّ الفسيفساء تزيّن أرضيّات كنائس كثيرة منذ بداية المسيحيّة، بودّي أن أركّز على مجموعة معيّنة من الفسيفساء، لم تحظ بدراسة شاملة رغم أنّها مشوّقة للغاية. بين أواخر القرن الـ 11 وبدايات القرن الـ 13، دُمِجت فسيفساء الأرض في كنائس عديدة في المحافظات الشّماليّة لإيطاليا – في بييمونتِه (Piemonte)، في لومبارديا (Lombardia)، وفي إيميليا رومانيا (Emilia-Romagna). بقي جزء من هذه الفسيفساء في موقعه، في حين نُقِلَ جزء آخر إلى جدران الكنائس أو إلى جدران أحد المتاحف. يتطلّب فهم مجمل هذه الأعمال، بطبيعة الحال، بحثَ طيف الثّيمات التي تتكرّر فيها (بند 1)، والقاسم المشترك المُمكن للرّموز الكامنة فيها (بند 2) وانجذابها للأرض، والدّورين الرّمزيّ والواقعيّ (بند 3). فقط نقاش كهذا بوسعه أن يركّز على “تجربة الخاميّة” الأساسيّة لهذه الأعمال، وعلى اقتلاعها من أساسها عند فصل الأعمال عن منازلها الطّبيعيّة.1414 يستند ...

1. طيف الثيمات

بخصوص المواضيع المعروضة في فسيفساء الأرض التي نتحدّث عنها، من المُثير أن نُشير إلى أنّ لا عمل منها يُظهر صورًا للمسيح، أو لمريم العذراء أو لأيّ من القدّيسين، أو للقصص المُستوحاة من العهد الجديد – وهي ثيمات مألوفة لنا من جدران و/أو قبب الكنائس في تلك الفترة.

صورة رقم 6
محاربان يتصارعان، فسيفساء أرض، في الأصل: الجوقة، كنيسة القدّيس إفازيو، كازاله مونفرّاتو (Sant’Evasio, Casale Monferrato)، النّصف الثّاني من القرن الـ 11 أو النّصف الأوّل من القرن الـ 12. اليوم: على جدران الـ أمبولاتوريوم

لا شكّ إذًا، أنّنا بصدد صمت مدوٍّ – غياب أو إقصاء لا يجوز تجاهلهما. في المقابل، يُمكننا أن نجد في تلك الأعمال، مرّة تلو الأخرى، أوصافًا للكرة الأرضيّة، ألا وهي الحيّز الفعليّ الذي يعيش فيه الإنسان حياته الدّنيويّة المؤقّتة، ولجوانب مختلفة من الوجود الإنسانيّ عينه.1515 في هذا ...

صورة رقم 7
أعمال الأشهر، تفصيل: تمّوز (حصاد) وآب (درس البيدر)، فسيفساء أرض، جوقة (المستوى الأسفل)، دوومو (القدّيس ماريا أسّونتا)، أَوُسطا (Santa Maria Assunta. Aosta)، القرن الـ 12

يُمكننا أن نجد أوصاف الكرة الأرضيّة في خارطة العالم (mappamundi)، و(تأنيس) اليابسة، البحر، الأرض (من ضمن أمور أخرى بواسطة تأنيس الـ Terra) والمتاهة (التي تظهر في سياقات مختلفة كصورة عن هذا العالم، الذي يبدو سطحيًّا كسجنٍ فوضويّ، لكنّه في الحقيقة تجسيد للكون المرتّب إلى حدّ إثارة الدّهشة، والمُنظّم والموجّه على يد الله).1616 Hermann Kern, ... هنا والآن – على وجه الأرض – يُضطرّ الإنسان إلى شقّ طريقه قبل مماته، ليتحدّد مصيره بالعقاب أو الرّحمة. أمّا الوجود الإنسانيّ، فنجد تصوّرات له في مشاهد حربيّة وصراعات بين قوى الخير والشّرّ (صورة 6)، من جهة، والإنسان العامل، في إطار أوصاف “أعمال الأشهر” (Labors of the Months) (صورة 7) أو تأنيس “الفنون المتحرّرة” (Liberal Arts) (صورة 8)، من جهة أخرى.

الصّورة رقم 8
تأنيس لأربعة من الفنون المُتحررة السّبعة ووالدتها، الفلسفة، فسيفساء أرض، في الأصل: جوقة (؟)، دوومو، إيفريا (Ivrea)، على ما يبدو بداية القرن الـ 12؛ اليوم: جدار الـ Seminario Vescovile، إيفريا

تجدر الإشارة إلى أنّ المواجهات الجسديّة (بين بني البشر أنفسهم وأيضًا بين المخلوقات الأسطوريّة، وبين الأوائل والأواخر) تُعتبر في الفكر المسيحيّ أيّام القرون الوسطى حربًا أخلاقيّة (bellum spirituale) لا مناص منها، وكتجسيد فعليّ للصّراعات العنيفة التي تتولّد في نفس البشر بين قيم الخير وقيم الشّرّ، الـ “سايكوماخيا” (Psychomachia).1717 Adolf ... أمّا العمل والعلم، فليسا إلّا وجهين لدرب الفضيلة المشرّعة أمام كلّ من يُريد التّحرّر من عبء الخطيئة الأصليّة وشقّ طريق لنفسه نحو الخلاص، ويجسّد هذان الوجهان حياة الفعل (vita activa) وحياة التّأمّل (vita contemplativa). على وجه الدّقّة، وباختصار، سوف نذكر أنّ “أعمال الأشهر” هي دورة بصريّة مُتعارف عليها في القرون الوسطى وعصر النّهضة المبكر، وهي مكرّسة لتصوير الأعمال البشريّة، الزّراعيّة أساسًا، التي تميّز كلّ شهر من أشهر السّنة.1818 James Carson ... أمّا “الفنون المُتحرّرة” (النّحو، والبلاغة، والمنطق، والحساب، والهندسة، وعلم الفلك، والموسيقى) فتفتح أمام الإنسان سبعة مسارات للعمل.1919 David. L. Wagner ... بكلمات أخرى، حريّ بالإنسان ألّا يبحث عن أعذار أو حجج بخصوص المصاعب التي تتربّص له في أيّ درب يختاره، وألّا يستسلم لقوى الشّرّ التي تهدّد بالسّيطرة عليه، حتّى لو انطوى الأمر على صراع مرير. مسموح للإنسان أن يستخدم التّكفير عن الذّنوب والحرّيّة التي وهبها له الله، وأن يختار أحد المسارات التي رسمتها له الكنيسة. فقط من يسير على الدّرب المستقيمة سوف يحظى بخلاص النّفس.

2. البرامج الايقونية

إنّ دراسة فسيفساء الأرض في شمال إيطاليا، والتي يمكن الاطمئنان إلى حالتها الجيّدة، من منطلق فهم الرّسالة التي تُقدّمها كلّ واحدة منها، من جهة، ومحاولة التّساؤل عن وجود قاسم مشترك وفريد لهذه الخطط، من جهة أخرى، تكشف أنّ العديد منها يتألّف من صور مختلفة من الفئات المذكورة – الكرة الأرضيّة، الصّراعات، والعمل (الجسديّ أو الفكريّ). من هذا المنطلق، بودّي أن أدّعي أنّ الفسيفساء تعرض مرّة تلو الأخرى على المؤمن (أو قد نشدّد ونقول، عند رجليه؟) حياة الإنسان – حياته هو بذاته – على الأرض. إلى جانب تعابير عن بيئة الحياة، تُعرض أيضًا مركّبات الحياة، سواء تلك التي فُرِضت على الإنسان أم تلك التي يختارها هو: الصّراعات المريرة والمحتومة التي يخوضها طيلة حياته من جهة، والإمكانيّات المُختلفة المتوفّرة لكل من يريد العودة إلى الدّرب المُستقيمة ليفتح لنفسه كوّة خلاص، من جهة أخرى. سوف أركّز على ثلاثة أعمال فسيفساء بقيت في موضعها. مع أنّ أسنان الزّمن وأقدام الإنسان أضرّت بهذه الأعمال، يبدو لي أنّ بقاءها في أماكنها الأصليّة يُتيح إدراكًا أكثر شمولًا لها.

صورة رقم 9
مظهر عامّ لفسيفساء الأرض، البهو المركزيّ (اليوم، جزء من السّرداب) كنيسة سان كولومبانو، بوبيو (San Colombano, Bobbio)، القرن الـ 12. الصّورة عبارة عن إعادة بناء مأخوذة عن صفيحة تفسيريّة لفسيفساء الأرض، موجودة في المكان ذاته. التقطها: GIO. VE، بولونيا، 1984.

في فسيفساء الأرض التي زيّنت أرضيّة الجناح المركزيّ في كنيسة سان كولومبانو في بوبيو (San Colombano, Bobbio) (صورة 9) لا نجد وصفًا عينيًّا للكرة الأرضيّة، إلّا أنّ العمل يستند إلى تعابير تجسّد أحداث دنيويّة بحت. على سبيل المثال، نجد فيه وصفًا لحرب المكابيين واليونان، ومشهد حرب وصراع بين بني البشر، والحيوانات، والمخلوقات الخياليّة، إلى جانب تجسيدات لاثني عشر “أعمال الأشهر”. بخصوص حرب المكابيين، التي تظهر مرّات ليست بقليلة في فسيفساء الأرض المذكورة، تجدر الإشارة إلى أنّ التّعامل معها في حينه كان على أنّها جزء من “التّاريخ المقدّس”، كمثال (exemplum) يستحقّ الإعجاب للمحاربين المسيحيّين (وبخاصّة الصّليبيّين) في حينه، وكمثال على الصّراع الرّوحانيّ الدّائم في نفس الإنسان بين قوى الخير وقوى الشّرّ.

الصّورة رقم 10
منظر عام لفسيفساء الأرض، في أرضيّة جوقة كنيسة سان ميكيله مادجوره، بافيا (San Michele Maggiore, Pavia)، القرن الـ 12

أمّا فسيفساء الأرض التي تزيّن جوقة كنيسة سان ميكيله مادجوره في بافيا (San Michele Maggiore, Pavia)، فيمكننا دراستها من خلال مقارنة بقاياها (صورة رقم 10) بالرّسومات المختلفة التي أُنتِجَت بين أواخر القرن الـ 16 وأواخر القرن الـ 19. إنّ دمج البقايا والرّسومات (صورة رقم 11) يُعطينا صورة ذات موثوقيّة جيّدة بخصوص الثّيمات والصّور المبيّنة، ويُتيح لنا أن نستنتج منها أنّ الخطّة الأيقونيّة تحاول عرض رسالة مشابهة: متاهة دائريّة ضخمة موجودة في مركز العمل. نذكّر بأنّ المتاهة تُشير إلى العالم الدّنيويّ، وهو عبارة عن مزيج من الفوضى والنّظام: الإدمان على نزوات الحظّ والصّدفة، مقابل الأفعال الحكيمة، ومصارعة إغراءات الخطايا والصّعوبات اللّانهائيّة التي تكبّل الإنسان وتهدّد بالقضاء عليه، مقابل العمل الذي يُتيح له أن يسير على الدّرب المُستقيمة والحصول على الخلاص الأبديّ. نرى كذلك شريطًا بحريًّا فيه أسماك، يحتلّ جزءًا كبيرًا من الفسيفساء، ويرتبط بالعالم الدّنيويّ وببيئة حياة الإنسان – هنا، الأسماك ترمز إلى المؤمنين بحدّ ذاتهم. تأنيس السّنة وإظهار “أعمال الأشهر” الاثني عشر هو بمثابة عنوان للعمل، في حين أنّ الصّراعات الأخلاقيّة التي تتحكّم في نفس الإنسان وفي حياته معروضة هنا على شكل ثيسيوس الذي يقتل المينوتور (بطبيعة الحال، في قلب المتاهة)، وداود الذي يُصارع جليات (في مرحلة تسبق مرحلة حسم المعركة) ورجل عارٍ يُصارع تنّينًا. بخصوص صراع داود وجليات، يكفي أن نُذكّر هنا بأنّ الصّراع يُستخدم في سياق الحرب بين قيمة التّواضع (Humilitas) وقيمة الغطرسة (Superbia).2020 Joanne S. Norman, ...

الصّورة رقم 11
استعادة تقديريّة لفسيفساء الأرض على أرضيّة الجوقة في كنيسة سان ميكيله مادجوره، في بافيا (San Michele Maggiore, Pavia)، القرن الـ 12، من دمج بين البقايا ورسم أُنتِج في نهاية القرن الـ 16.

ويبدو أنّ القصّة ذاتها تتكرّر في فسيفساء الأرض الذي يزيّن سرداب كنيسة سان سافينو في بياتشنزا (San Savino, Piacenza) (صورة رقم 12). هنا أيضًا نجد استعراضًا لـ “أعمال الأشهر” الاثني عشر على خلفيّة أمواج البحر. في الهامش السّفليّ، تظهر أوصاف لصراعات وحروب مُشبعة بالعنف (من اليمين): رجلان مسلّحان برمحين ودرعين يتصارعان، رجلان يشدّ كلّ منهما شعر خصمه، وفارس يرفع رمحه ويحاول أن يهاجم، على ما يبدو، شخصًا يقف قبالته. هناك مشهد آخر لصراع (خارج الصّورة) لا يُمكن تمييزه بالتّأكيد، إلّا أنّه يشتمل على حصان، وسوط وربّما قوس وأسهم. يجدر أن نذكر في هذا السّياق أنّ هناك شهادات تُشير إلى وجود متاهة على أرض البهو المركزيّ للكنيسة.

الصّورة رقم 12
فسيفساء أرض، سرداب، كنيسة سان سافينو، بياتشنزا (San Savino, Piacenza)، أواخر القرن الـ 11 أو بداية القرن الـ 12

من خلال دراسة شاملة لخواصّ فسيفساء الأرض الأخرى التّابعة للقرون الوسطى في شمالي إيطالي، يُمكننا أن نستخلص وجود قاسم مشترك للمعاني الكامنة في العديد منها (شرط أن تُتيح حالة صيانتها استنباط الاستنتاجات). إنّ تجسيدات خارطة العالم، والقارّات، والأرض، والبحر، والمتاهة – ليست إلّا بنية تحتيّة للعمل البشريّ (تمامًا كما هي الحال في فسيفساء البلاط في بيت لحم البرتغاليّة، كما ذكرنا أعلاه).2121  راجعوا ... إنّها المنصّة التي تدور عليها أحداث حياتنا. هنا والآن، على هذه الأرض (in terries)، يشقّ الإنسان طريقه قبل مماته وانحسام مصيره للعقاب أو الرّحمة؛ الدّروب طويلة وملتوية، وهي محفوفة بالمصاعب والمخاطر؛ مع ذلك، من يرغب في ذلك يستطيع أن يجد المسار المستقيم الذي يؤدّي السّير فيه نحو التّحرّر من حبال الخطايا والوصول إلى الغاية – الخلاص الأبديّ. هكذا، بوضع الواحد إلى جانب الآخر، يستعرض العديد من فسيفساء الأرض في شمالي إيطالي ذلك الاضطرار وذلك الخيار الذي تنطوي عليه حياة الإنسان على الأرض – الصّراع الأخلاقيّ، السّرمديّ والحتميّ، والعمل أو العلم، اللّذان يشكّلان أمنية النّفس والشّعلة المضيئة.

وجهة النّظر هذه مذوّتة أيّما تذويت في عالم بني البشر في القرن الـ 12. في كتابه تصوّر العالم لدى النّاس في القرون الوسطى، يكتب آرون غوريفيتش:

“تشكّل حياة اللإنسان حلبة لـصراعات دائمة بين قوى الشّرّ وقوى الخير، وأيّ نوع من أنواع أعمال الإنسان يجب أن يُقيَّم على ضوء هذا الصّراع، ويُعرض بضوء أخلاقيّ محدّد. البطالة – “عدوّة الرّوح” – تؤدّي إلى قيم سيّئة ولفقدان الحياة في الآخرة؛ أمّا العمل فيكبح الجسد ويطوّر النّظام الذّاتيّ والنّشاط. لكنّ العمل مُبرّرًا فقط في تلك الأبعاد التي يؤدّي فيها العمل إلى هذه الغايات ويُساهم في الدّرب نحو السّلامة الرّوحانيّة” (التّشديدات من إضافتي).2222 גורביץ, ...

“الحلبة”، “الصّراعات الدّائمة بين قوى الشّرّ وقوى الخير” و”العمل”، ليست إلّا الفئات الثّلاث التي ذكرناها أعلاه، تلك التي تجمع الثّيمات التي تستعرض بيئة الحياة، من جهة، ومركّبات الحياة، من جهة أخرى.

3. الفسيفساء والأرض – أيمكنهما التّلاؤم، إذا لم يتّفقا؟

آن أوان الجمع ما بين الفصلين، أي بين النّقاش بخصوص مكانة العمل على الأرض، أيّ كانت، والتّأويل الذي أعطاه اللّاهوت المسيحيّ لأرضيّة الكنيسة تحديدًا (الفصل أ)، وبين مجموعة الفسيفساء المذكورة. لا شكّ في أنّ دراسة الفسيفساء في السّياق الفعليّ الذي خُصِّصت من أجله والذي شوهدت به، يُضفي بعدًا جديدًا على فهمنا لطريقة فهم المشاهد المؤمن للفسيفساء، ولطريقة اختباره لها – وهي تجربة لا يسعنا إلّا أن نُطلق عليها لقب “خاميّة”. ليس بنيّتي هنا التّطرّق إلى المركّب المادّيّ ذاته. سوف أذكر فقط أنّ اختيار الموادّ الخام التي تُستخدم لصنع الفسيفساء، بطبيعة الحال، يتناول في الحسبان الخلفيّة التي سيوضع عليها العمل. لذلك، فإنّ الحجر الخام (وكثيرًا ما يكون حجرًا محلّيًّا، متوفّرًا، يسهل التّعامل معه ومتينًا) يليق بعمليّة تزيين الأرض – وبمداس أقدام الزّوّار.2323 للمحة ...

يضيق هذا المقال بمناقشة الأساليب المُختلفة التي ربط فيها اللّاهوت المسيحيّ بين الفنّ التّذكاريّ، على مختلف أنواعه، وموادّه، وجوانبه، وبين المبنى المعماريّ للكنيسة. لكن يكفينا هنا أن نذكر في هذه الحالة تعدُّد أوصاف المسيح في مجده، صعوده إلى السّماء، أو حكمه للبشريّة في يوم القيامة، تلك الظّاهرة على أجزاء من الكنائس التي حظيت – بدورها – بتأويلات بخصوص السّماوات والكائنات السّماويّة (الطّبلة – tympanum – التي تزيّن بوّابات الكنائس، وحنايا الكنائس أو قببها). تساند الصّور موقعها، والعكس صحيح، وهي تجتمع لتنقل رسالة متناسقة تفوق مجموع مركّباتها. لا يمكن تفادي التّفكير في أنّ مثل هذا الدّمج يجري أيضًا على أرضيّة الكنيسة، إذ كما أنّ الأرضيّة بحدّ ذاتها مفهومة في سياق المجموع المعماريّ الشّامل والتّأويلات اللّاهوتيّة التي أُعطِيَت لكلّ واحد من أقسام هذا المجموع، على الفسيفساء أن تُفهَم أيضًا في سياق الأرض، تحديدًا، وسياق الخطّة الزّخرفيّة الكاملة، عمومًا.

كما ذُكِر أعلاه، فإنّ مصمّمي الخطط الأيقونيّة لفسيفساء الأرض من طراز الرّومانيسك في شمالي إيطالي تجنّبوا عرض مواضيع تتعلّق بالمسيح، أو مريم العذراء أو أيّ من القدّيسين. لا شكّ في أنّ الدّافع من وراء هذا الغياب هو الخشية من التّجديف الذي قد يحصل في حال تمّ دوسهم بالأقدام. ومع ذلك، يبدو لي أنّ هذه الصّور، والشّخصيّات، والمشاهد التي تحتّل مساحاتها في هذه الفسيفساء ليست “تلقائيّة”، ولم يكن اختيارها عشوائيًّا.

إنّ المؤمن الذي يزور هذه الكنائس التي زُيِّنت أرضيّتها بالفسيفساء، ليس مجرّد مشاهد سالب ينظر إلى واقع معيّن، بل إنّه يخطو داخل هذا الواقع. بكلمات أخرى، كما أنّ الصّورة تمسّ الإنسان، فإنّ الإنسان يمسّ – جسديًّا – الصّورة. الأرضيّة هي الأرض وهي الإنسان البسيط؛ وحياته على هذه الأرض معروضة على الأرض، تمامًا مثل تجواله في “منطقته الآنيّة”، فيتيه ويضيع فيها ذهابًا وإيابًا، مشاركًا فعليًّا بالأحداث. الأرض موضوعة في مكانها، والإنسان كذلك موضوع في مكانه: في أسفل الهرم، حيث مصيرهما المداس والمعاناة، وفي الآن ذاته، فهما يشكّلان مركّبات وجودها أساسيّ لصمود المجموع المعماريّ والاجتماعيّ، بالتّناظر. هنا والآن، يشقّ المؤمن لنفسه مسارًا محفوفًا بالمعيقات، ليقوده في النّهاية، إلى الخلاص الأبديّ، ذلك المعروض في المكان المُلائم له – وفقط له – في أقسام الكنيسة العليا. بكلمات أخرى، يتّحد الواقع وتجسيده؛ العمل الفنّيّ، والعناصر المعماريّة، والإنسان، تتحوّل جميعها إلى كيان واحد، دنيويّ (وآنيّ) بجميع نواحيه.

صورة رقم 13
مظهر متقطّع لفسيفساء أرض في البهو المركزيّ (اليوم: جزء من السّرداب)، في كنيسة سان كولومبانة في بوبيو (San Colombano, Bobbio)، القرن الـ 12

إنّ المسيحيّ، الذي يُضطرّ إلى التّحرّك على الأرضيّة واكتشاف مركّبات الفسيفساء وخواصّها الكاملة تدريجيًّا (صورة رقم 13)، يشعر كأنّه عمليًّا جزء من العمل، ومشارك في مسرحيّة حياته. إنّ السّير على الأقدام، المفروض على كلّ من يريد أن يرى الفسيفساء بكاملها، يُشبِه الطّريق الطّويلة والملتوية التي يسلكها الإنسان في حياته، ولا ينطبق الأمر فقط على السّير في المتاهة. هكذا، يتحوّل تشبيه الإنسان والحياة على سطح الأرض إلى تشبيه ملموس وقابل للتّحقيق بشكل لا مثيل له.

من هذا المنطلق، فإنّ الخيار الذي اتّخذه فنّانو الفسيفساء بخصوص المواضيع التي تنتمي إلى العالم الدّنيويّ وإلى الجوانب المختلفة للوجود البشريّ، لا يكفي ألّا ندينه أو ألّا نرى به انعدامًا للذّوق، بل بتنا ندرك أنّ الدّافع من ورائه هو الرّغبة في توضيح الرّسالة وجعلها فريدة. بكلمات أخرى، في حين أنّ الأرضيّة، المعرّضة للسّحق والتّلويث، قد تؤدّي إلى تحقير أمور معيّنة، فإنّها تُكسِب ثيمات أخرى بيئة هي الأنسب لها، وبدورها تُغني هذه الثّيمات معاني الأرضيّة. حياة الإنسان على الأرض معروضة على الأرض، في المكان الذي يُمكننا اعتباره إنسانًا وأرضًا.


3: لأنّك من الأرضيّة جئت، وإلى الأرضيّة ستعود. أو ربّما لا…

بما أنّ فسيفساء الأرض هذه استُخدمت كموطئ لأقدام النّاس، ووُضِع عليها أثاث الكنيسة، فقد كانت معرّضة للأضرار – وجزء كبير من هذه الأضرار غير قابل للتّصليح إطلاقًا. لهذا، خلال القرن الـ 20، أُزِيلت أعداد غير قليلة من الفسيفساء من الأرضيّة، ونُقِلَت إلى جدران الكنيسة ذاتها (صورة رقم 6) أو جدران مبنى ملاصق لها (صورة رقم 8) وبعضها إلى متحف ما (صورة رقم 14). صحيح أنّ هذا الفعل حال دون استمرار دوس وتخريب الفسيفساء، وأتاح إمكانيّة الصّيانة وإعادة التّأهيل. لكن لا شكّ في أنّ مجرّد نزع الفسيفساء عن بيئتها الأصليّة (المعماريّة والبشريّة)، يُفقد العمل الفنّيّ معناه الكلّيّ ويُضعف الرّسالة التي يحاول أن ينقلها.

صورة رقم 14
فسيفساء الأرض من الدّوومو في ردجو إميليا (Reggio-Emilia)، موجودة اليوم في: Museo Civico، ردجو إميليا

من الواضح أنّ هذه المسألة تنطبق على أيّ عمل فنّيّ “مقرون بالموقع” (راجعوا مقدّمة القسم أ، أعلاه)، سواء دار الحديث عن النّحت البارز ورسومات السّقف التي تنتمي إلى العصور الوسطى ذاتها، أم عن أعمال فنّيّة فُوِّضَت (وما زالت تُفوَّض) لدهليز التّوربينا في متحف الـ تيت مودرن (Tate Modern) أو للوطيدة الرّابعة (Fourth Plinth) في ميدان الطّرف الأغر (Trafalgar Square) في لندن. في مقال كرّسه للعلاقات بين النّحت وفنّ العمارة والمُشاهد في القرن الـ 12، كتب فيليبالد زاورلِندر: “ليست التّماثيل الرّومانسكيّة الضّخمة “منقولة” (mobile). إذ لا يُمكن نزعها عن سياقها الأصليّ وعرضها في مكان آخر، دون هدم عمق المعنى الأصليّ. عليها أن تبقى في المكان الذي خُصِّص لها. إذا أخذت التّماثيل إلى متحف، فإنّها تخسر من طابعها المُقدّس، وتنحدر درجتها وتتحوّل إلى ما لا يتعدّى مجرّد artefact مُثير، […] مجرّد غرض موجود (objet trouvé) […]”.2424 Willibald ... يدّعي زاورلِندر أنّ هناك “اتّحادًا طاهرًا” بين الأعمال الضّخمة وبين المبنى – إنّهما كيانان “لا يُمكن الفصل بينهما”.2525 Ibid, pp. 33,34. يسري مفعول هذه الفكرة بشكل خاصّ على فسيفساء الأرض الكنسيّة، إذ عدا عن عزلها عن المجموع المعماريّ الزّخرفيّ، يجب الانتباه في حالتها إلى عمليّة استبدال الخلفيّة الفعليّة الواحدة (الأرض) بالأخرى (الجدار)، وإلى الإلغاء الكلّيّ للتّجربة الخام المُشتقّة عن وجود المشاهد داخل العمل.

لا يُمكننا أن نتوسّع، في هذا الإطار، في إزاحة الأعمال من مواقعها الطّبيعيّة والصّحيح نحو منازل ليست لها – بدءًا بالمتحف، ومرورًا بالمباني العامّة، أيًّا كانت، وانتهاءً بالمنازل الخاصّة. يكفي أن أذكر أنّ هذه مسائل شائكة تقضّ مضاجع عالم أمانة الفنّ، وترتبط بنقاش أوسع حول عقدة الرّوابط القائمة بين “مواقع الإنتاج” (Sites of Production) و “مواقع المشاهدة” (Sites of audiencing).2626 Gillian Rose, ... تمامًا كما أنّ صورة كان من المُفترض أن تظهر على الصّفحة الرّئيسيّة للجريدة تفقد صلاحيّتها (وتحظى بصلاحيّة أخرى) عند تأطيرها وعرضا في معرض، فإنّ تجربة الإنعام بمجموعة من الجداريّات الرّومانسكيّة المعروضة بالتّجاور في المتحف الوطنيّ للفنون في كتالونيا في برشلونة تختلف كلّيًّا عن تجربة الإنعام التي كانت في متناول من زار الكنائس المختلفة التي عُرِضت فيها الأعمال ذاتها إلى جانب أعمال فنّيّة أخرى، وكخلفيّة للطّقس الدّينيّ.

الصّورة رقم 15
جدار مبنى الدّخول، الحديقة القوميّة تسيبوري

هناك مسألة إضافيّة بودّي طرحها في هذا السّياق، وهي تتعلّق بالجدالات الثّاقبة الجارية منذ عقود عدّة حول الـ Repatriation، أي عمليّة إعادة الأعمال الفنّيّة إلى أماكنها و/أو أصحابها الأصليّين، مهما كانت أسباب انتزاعها الأوّليّ وتحريكها، من منطلق إدراك التّصادم المُحتمل بين قيم الملكيّة الشّرعيّة “للأغراض الثقافيّة” والالتزام بالحفاظ على هذه الأعمال.2727 Eisuke Tanaka, ... أي أنّه علينا أن نأخذ المسارَين – من المنزل وعودة إليه – في الحسبان. في حالتنا، حتّى لو بقيت الأعمال الفنّيّة في إيطاليا، وحتّى لو حافظ المتحف عليها من أيّ سوء، يُمكننا ربّما أن نوسّع هذا النّقاش المركّب ليطالها هي أيضًا، إذا ما فكّرنا في أرضيّة الكنيسة، على وجه الحصر، وأرضيّة المبنى أو رصيف المدينة، على وجه العموم، على أنّها منزل – منزل لا بديل له.

الصّورة رقم 16
أرضيّة إحدى جادات الأعمدة المرافقة للشّوارع،
الحديقة القوميّة تسيبوري

من وجهة النّظر هذه، لمن المثير أن ندرس، ولو للحظة، حالة الحديقة القوميّة في تسيبوري. هنا، أيضًا، أتناول هذا المثال بشكل عشوائيّ، إذ يُمكننا إيجاد عدّة أمثلة أخرى تشبهه (داخل إسرائيل وخارجها). يحظى زائر الموقع بقطعة من فسيفساء أرض نُقِلَت إلى جدار مبنى الدّخول (صورة رقم 15). وفي ما بعد، يُمكن للزّائر أن يخطو برجليه على بقايا فسيفساء الأرض التي بقيت في المكان (صورة رقم 16). وفي حين أنّ الجدار يُتيح للزّائر نظرًا خاليًا من المضايقات، لا شكّ في أنّ الأرض تُتيح له تجربة خالية من الوساطة. يخدم الجدار من يضع الحفظ المادّيّ للعمل على رأس سلّم أولويّاته، حتّى لو جاء ذلك على حساب الموقع الأصليّ؛ أمّا الأرض، فتخدم من يسعى إلى حفظ التّجربة الأصليّة، حتّى لو جاء ذلك على حساب الصّيانة. يأخذ ذلك في الحسبان جميع المركّبات التي ذكرناها من قبل: نقطة المشاهدة، والحركة، واللمس.

الصّورة رقم 17
البهو في منزل ديونيسوس، الحديقة القوميّة تسيبوري

تصل زيارة تسيبوري إلى أوجها في “منزل ديونيسوس”، بجميع أشكال فسيفساء الأرض المُدهشة التي تعود إلى القرن الثّالث، والتي تزيّن البهو المركزيّ للمنزل (الصّورة رقم 17). هُناك، الزّائر مدعوّ إلى إنعام النّظر، ضمن أمور أخرى، في صورة شخصيّة حظيت بلقب “مونا ليزا تسيبوري”. أعطي هذا اللّقب للسّيدة الفاتنة، لأنّها تحدّق بمن يحدّق بها. الأمر المنسيّ، أو الأمر المُغيّب، هو أنّ النّظر لا يكفي. الملمس الخالي من الوساطة هو جوهر المسألة. قد تكون المنصّة المُرتفعة والسّور الذي يتيح الاتّكاء المُريح ضروريّين للحفاظ على العمل وإتاحة نظرة شاملة وخالية من الإزعاجات، لكنّها تولّد ضررًا عميقًا جدًّا. ومع ذلك، قد يكون هذا الخيار هو الأفضل من بين الخيارات المُتاحة.

 


ملخّص

“لا مكان كالمنزل” هو الاسم الذي أُعطِي للمعرض الذي نظّمه متحف إسرائيل في القدس في العام 2017، والذي خُصِّص للاستخدام الفنّيّ للأدوات المنزليّة منذ بداية القرن العشرين وحتّى يومنا. في مقدّمة فهرس المعرض، كتب المدير العام للمتحف، جيمز سنايدر، من جملة أمر أخرى: “لأجل المعرض، ارتدت قاعات المتحف أزياء منزليّة وفي داخلها أغراض […] أعيدت إلى مكانها الطّبيعيّ كي […] نُتيح، من خلال عمليّة “الإعادة إلى المنزل”، بروز أفكار جديدة حول الانجذاب بين الفنّ وسياقه”.2828  جيمز ... نظرًا للافتراض الأساسيّ الذي مفاده أنّ “لا مكان كالمنزل” ونظرًا لإدراك مديري المتحف بأنّه، أحيانًا “المنزل [الذي نُعطيه للأعمال الفنّيّة] [موجود] بعيدًا عن المنزل”،2929 المصدر ... من المُثير أن نفكّر في إمكانيّة إعادة فسيفساء الأرض إلى منازلها، ولو حتّى على المستوى الفكريّ. إذا لم نُعِدها إلى الكنيسة (أو إلى أيّ مكان آخر)، لنُعدها على الأقلّ إلى الأرض؛ وإذا لم نُعِدها إلى أرض يُمكننا أن نسير فوقها، فلنعدها على الأقلّ إلى أرض مُحاطة بحبل، أو سور؛ وإذا لم يكن ذلك مُمكنًا، لنجرِ حوارًا مفتوحًا، على الأقلّ، عن التّجربة الخام – بالمعنى البدائيّ، والفوريّ والخالي من الوساطة – التي لم تعد في متناول يد المشاهد.

بودّي أن أنهي المقال بفكرة لسانيّة. كما جاء أعلاه، أرفِقَت بأجزاء الفسيفساء التي تستقبل القادمين إلى إسرائيل (صورة رقم 1)، نصوص تتطرّق إلى الفسيفساء كأنّها “أرضيّة فسيفساء”. في حين أنّ التّمييز الدّلاليّ بين “أرضّية فسيفساء”، و”أرضيّة حجريّة”، أو رخاميّة، أو غرانوليتيّة (مثلًا) يُبرِز مادّيّة الأرض، فإنّ التّمييز بين “فسيفاء أرضيّة” وبين “فسيفساء جدار” أو قبّة (مثلًا) يُبرز الموضع الفعليّ، وبالتّالي، تجربة المُشاهدة. في كلتا الحالتين، تتطلّب الأرضيّة ملامسة. المادّة الخام والتّجربة الخام تتداخلان الواحدة بالأخرى في الأرضيّة. في عصر ما بعد الحقيقة هذا، على حقائقه البديلة والأخبار الزّائفة، فإنّ غرس فسيفساء الأرض على الجدران لا يُصيب الحقيقة. بل هو بديل إشكاليّ. إنّه كذب.

 

   [ + ]

1. Francis Valentine O’Connor, Eugene Victor Thaw (eds.), Jackson Pollock – A Catalogue Raisoneé of Paintings, Drawings and Other Works, New Haven: Yale University Press, 1978, vol. IV, Chr. D.71, p. 241.
2. راجعوا سلطة الآثار، فهرس الفسيفساء، مطار بن غوريون http://www.antiquities.org.il/mosaics_detail_heb.asp?id=32. لا تُشير النّصوص المُرافقة للفسيفساء في مطار بن غوريون إلى البنايات المعنيّة. للقراءة عن فسيفساء أرضيّة محلّيّة من العصر القديم (وحتّى القرن الثّامن بعد الميلاد)، راجعوا: Rina Talgam, Mosaics of Faith – Floors of Pagans, Jews, Samaritans, Christians, and Muslims in the Holy Land, Jerusalem: Yad Ben Zvi Press, 2014
3. لا مكان هنا لمناقشة مختلف جوانب الفنّ “المقرون بالموقع”. إلّا أنّ مجموعة المقالات التّالية تُقدّم نظرة شموليّة عن الظّاهرة، وتشمل قائمة محدّثة بالمراجع. راجعوا: Inbal Ben-Asher Gitler (ed.), Monuments and Site-Specific Sculpture in Urban and Rural Space, Newcastle upon Tyne (UK): Cambridge Scholars Publishing, 2017.
4. على سبيل المثال، فإنّ مشهد العماد الذي رسمه دجوتو (Giotto) على جدار البهو في كابيلا أرينا (Cappella Arena [Cappella degli Scrovegni], Padova) في مطلع القرن الـ 14 يُفترض أن يُقرأ كجزء من دورة حياة المسيح، خلال حركة المُشاهد على طول الكنيسة، نحو الحنية ومن ثمّ في طريق العودة. في المقابل، فإنّ مشهد العماد المعروض على قبّة بيتَي عماد في رافينا (Neonian Baptistery, 450-475; Arian Baptistery, end of 5th century – beginning of 6th century) يُفترض أن يُشاهد عند وجود المؤمن أسفل العمل مباشرة، عندما يغطس جسده بالماء ويرفع عينيه إلى ذلك الذي يشكّل بالنّسبة له شخصيّة أبديّة.
5. Rudolph Arnheim, Art and Visual Perception – A Psychology of the Creative Eye, Berkley: University of California Press, 1974, pp. 30-33.
6. Rebecca Molholt, “Roman Labyrinth and the Experience of Motion”, The Art Bulletin, 93:3 (September 2011), 287-303.
7. Michael Tymkiw, “Floor Mosaics, Romanità, and Spectatorship: The Foro Mussolini’s Piazzale dell’Impero”, Art Bulletin, 101: 2 (May 2019), 109-132.
8. حول حجارة العثرة، راجعوا، ضمن مراجع أخرى: Adachiara Zevi, “A Ubiquitous Memorial”, in Inbal Ben-Sher Gitler, Monuments and Site-Specific Sculpture in Urban and Rural Space, Cambridge Scholars Publishing, 2017, pp. 41-67.
9. נעמי מאירי-דן, “בין שתי ערים: הגיגים על הנצחה במרחב הציבורי”, בתוך: דנה אריאלי (עורכת), אחרי עשרים שנה: עיצוב זיכרון רבין, חולון: מכון טכנולוגי חולון, 2015, ص. 55-45.
10. Tymkiw, Floor Mosaics, Foro Mussolini, 111 .
11. אהרן גורביץ’, תמונת העולם של אנשי ימי-הביניים (תרגם: פטר קריקסונוב), ירושלים: אקדמון, 1993, ص 64-63.
12. William Durandus, The Symbolism of Churches and Church Ornaments (trans: L.M. Neale, B. Webb), London, 1843 (reprinted: New York: AMS Press, 1973), Ch. 1: Of a Church and its Parts, No. 28, p. 30.
13. المصدر ذاته.
14. يستند النّقاش حول مجموعة الفسيفساء هذه إلى عملي خلال دراسة الدّكتوراة. راجعوا: نوعمي مئيري دان، فسيفساء أرض رمزيّة في كنائس شمالي إيطاليا في القرنين الـ 11 والـ 12، بإدارة نوريت كنعان كادر، جامعة تل أبيب، 2000. مرجع آخر هو Naomi Meiri-Dann, “Twelfth Century North Italian Mosaic Pavements – Are They Really Marginal?”, in: Nurith Kenaan-Kedar, Asher Ovadiah (eds.), The Metamorphosis of Marginal Images: From Antiquity to Present Time, Tel Aviv: Tel Aviv University, 2001, 183-194. في المقال الحاليّ، اكتفيت بما استخلصه البحث المذكور أعلاه، ولم أعاود مناقشة جميع المصادر اللّاهوتيّة والبحثيّة التي استخدمتها بشكل معمّق.
15. في هذا السّياق، من المُثير أن نُشير إلى أنّ كلّ زخم التّعابير عن الطّبيعة، وعالم النّبات وعالم حيوانات اليابسة والبحار الذي فيها، معروض مرارًا وتكرارً في فسيفساء الأرض الكنسيّة منذ بداية المسيحيّة، وبخاصّة في القرنين الخامس والسّادس. وُجِد العديد من هذه الأعمال في سوريا، وأرض إسرائيل والأردن. بخصوص المعاني المُحتملة لأوصاف الأحياء والنّباتات في الفنّ البيزنطيّ المبكر (وبخاصّة فسيفساء الأرض، لكن ليس على وجه الحصر) والعلاقة بين هذه الأوصاف والنّصوص المسيحيّة التي تُعنى بعالم الطّبيعة، راجعوا، على سبيل المثال: Henry Maguire, Earth and Ocean: The Terrestrial World in Early Byzantine Art, Pennsylvania: The College Art Association of America (XLIII), 1987. أتقدّم بالشّكر لقارئ/ة المقال (قبل نشره) على الإحالة إلى الكتاب. في هذا السّياق، هناك فسيفساء مُثيرة بشكل خاص في الجناح الشّماليّ لكنيسة القدّيس دميتريوس في نيكوبوليس (St. Demetrios Nikopolis؛ وتعود على ما يبدو إلى العام 520-550)، وفيها – وفي أمثالها – رأى إرنست كيتسينغر “صورة / رسمة للعالم”. راجعوا: Ernst Kitzinger, “Mosaic Pavements in the Greek East and the Question of ‘Renaissance’ under Justinian”, Actes du VI Congrès International d’Études Byzantines, Paris, 27 juliet-2 aout 1948, II, Paris, 1951, pp. 209-223; Maguire, Earth and Ocean, pp. 21-24, fig. 10.
16. Hermann Kern, Labirinti – forme e interpetazioni 5000 anni di presenza di un archetipo, Milano: Feltrinelli, 1981, esp. pp. 189-190, 194; Penelope Reed-Doob, The Idea of the Labyrinth – from Classical Antiquity through the Middle Ages, Ithaca: Cornell University Press, 1992, esp. pp. 129-130, 133.
17. Adolf Katzenellenbogen, Allegories of Virtues and Vices in Medieval Art, Toronto: University of Toronto Press, 1989 (1939), esp. pp. 1-13.
18. James Carson Webster, The Labors of the Months in Antique and Medieval Art to the End of the Twelfth Century, Princeton 1938; Jacques Le Goff, Time, Work, and Culture in the Middle Ages (trans: Arthur Goldhammer), Chicago: The University of Chicago Press, 1980.
19. David. L. Wagner (ed.), The Seven Liberal Arts in the Middle Ages, Bloomington: Indiana University Press 1986 .
20. Joanne S. Norman, “King David as a Psychomachia Figure”, in Metamorphoses of an Allegory – The Iconography of the Psychomachia in Medieval Art, New York: Peter Lang, 1988, pp. 143-179
21.  راجعوا الملاحظة 6.
22. גורביץ, תמונת העולם, ص. 204.
23. للمحة عامّةّ عن المواد التي تُصنع منها فسيفساء الأرض، وعن التّقنيّات، راجعوا: Ferdinando Rossi, Mosaics – A Survey of Their History and Techniques, New York: Praeger Publishes, 1968.
24. Willibald Sauerländer “Romanesque Sculpture in its Architectural Context”, in Deborah Kahn (ed.), The Romanesque Frieze and its Spectator, London: Harvey Miller Publishers, 1992, pp. 22, 43.
25. Ibid, pp. 33,34.
26. Gillian Rose, Visual Methodologies – An Introduction to the Interpretation of Visual Materials, London: Sage, 2007, pp. 13-27.
27. Eisuke Tanaka, “Protecting One of the Best Roman Mosaic Collections in the World: Ownership and Protection in the Case of the Roman Mosaics from Zeguma, Turkey”, Stanford Journal of Archeology, vol. 5, 2007, pp. 183-202.
28.  جيمز سنايدر، “مقدّمة” مأخوذ عن: עדינה קמיאן-קשדן (עורכת), אין כמו בבית, ירושלים: מוזיאון ישראל, 2017, ص. 5.
29. المصدر ذاته، ص. 10.
Back to Top